الأخطـــــــــــل
الأخطل
ن
28-07-2012 | 11:11 PM
ن
28-07-2012 | 11:13 PM
الفصل الأول
سيرته وحياته الشخصية
ن
28-07-2012 | 11:14 PM
نبذة تعريفية عن الشاعر :
هو غياث بن غوث بن طارقة بن عمرو بن سيحان بن الفدوكس بن عمرو بن مالك بن جشم بن بكر بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط ، كنيته أبو مالك و لقبه الأخطل و هو اللقب الرئيسي و له ألقابٌ أخرى منها : دوبل ، و ذو العباية ، و ذو الصليب .
سبب تسميته بالأخطل :
و قد تضاربت الآراء حول تسميته بالأخطل ، و لم تتفق حول سبب هذااللقب و تاريخه و أصله .
فقال الجواليقي : " سمي الأخطل بذلك من قولك : خطل في كلامه يخطل خطلاً ، إذا كان مضطرب الكلام " . و قال الزبيدي : " رجلٌأ خطل اللسان : مضطربه و به لقب الشاعر " .
وزعم ابن قتيبة : " أن الأخطل مشتق من الخطل و هو استرخاء الأذن ، و منه قيل لكلاب الصيد " و قد عقب البطليوسي على ذلك بقوله : " لا أعلم أحداً ذكر أنَّ الأخطل كان طويل الأذنين مسترخيهما فيقال إنه لقب بالأخطل لذلك " .
أما الأصمعي فقال : أن الباحث ينقد توهموا حين ظنوا أن الاضطراب معناه الضعف و الاختلال.
و جاء في لسان العرب : " إنما سمي بذلك لطول لسانه ، و قيل : هو من الخطل في القول لكعب بن جعيل شاعر تغلب قبل الأخطل :
و جاء في لسان العرب : " إنما سمي بذلك لطول لسانه ، و قيل : هو من الخطل في القول لكعب بن جعيل شاعر تغلب قبل الأخطل :
لعمرك ، إنني وإبني جعيلِ ***** و أمهما لأستارٌ لئيم
وجاء في الأغاني أيضا عن ابن السكيت أن عتبة بن الوغل التغلبي حمل حمالة ، فأتى قومه يطلب عونهم ، فجعل الأخطل يتكلم و هو يومئذ غلام فقال عتبة من هذا الغلام الأخطل ؟ و في الأغاني أيضاً عن أبي عبيدة أن غياث بن غوث هجا رجلاً من قومه ، فقال له : يا غلامُ إنك لأخطلٌ ، فلقب به . و في الأغاني أيضاً أن أبا الشاعر هو الذي لقبه بذلك عندما طرد غنم كعب بن جعيل شاعر تغلب ، فغضب كعب و شتمه و استعان بقومٍ من تغلب فردها إلى الحظيرة ، فارتقب الأخطل غفلته و طردها ثانية ، فغضب كعب وقال : كفوا عني هذا الغلام و إلا هجوتكم . فقال الأخطل : إن هجوتنا هجوناك و كان يومها يقرزم (1) ، فقال كعب صدراً:
شاهدَ هذا الوجهُ غبَّ الحمهْ
فأكمل الأخطل العجز قائلاً:
....... (2) كعبُ بن جعيلٍ أمهْ
ثم إستحكم بينهما الهجاء فقال الأخطل:
و سميت كعباً بشرَّ العظامِ ***** و كانَ أبوك يسمى الجعلْ
و أنتَ مكانكَ منْ وائلٍ ***** مكانَ القرادِ من ..... (3) الجملْ
و أنتَ مكانكَ منْ وائلٍ ***** مكانَ القرادِ من ..... (3) الجملْ
ففزع كعب و قال : قد كنت أقول : لا يقهرني إلا رجلٌ له ذكرٌ و نبأ ، و لكن أبا الأخطل خشيَ عاقبة إبنه فضربه و قال له : أبقرزمتك تريد أن تقاوم إبن جعيل ؟ ! ثم جاء كعب بعدها مستنكراً صنيعَ الغلام فقال له أبوه : لا تحفل به فإنه غلام أخطل .
فمن الثابت إذاً أن الرعونة و البذاءة و سلاطة اللسان كانت الدافع لتسمية الأخطل بهذا اللقب .
أما ألقابه الأخرى فإنها تعد ثانوية بالنسبة للقب الذي اشتهر به . فقد ذكر المؤرخون أن أمه لقبته في طفولته " بدوبل " . والدوبل هو الخنزير أو الحمار القصير الذنب . و يظهر أن جريراً قد تلقف هذا اللقب فهجاه قائلاً :
بكى دوبلٌ ، لا يرقئ الله دمعه ***** ألا إنما يبكي من الذلَّ دوبلُ
و لقبه جريرٌ بذي العباية في قصيدة فيها حين أسر في يوم البشر و كانت عليه عباءة قذرة و في ذلك يقول جرير:
يا ذا العباية ، إنّ بشراً قد قضى ***** ألاّ تجوزَ حكومةُ النسوان
ولقب الشاعر أيضاً بذي الصليب و قد ورد في القاموس المحيط للفيروزبادي :
" ذو الصليب لقب الأخطل التغلبي " . و قال الأب لويس شيخو في كتابه شعراء النصرانية بعد الإسلام أن أمَّ الأخطل علقت على صدره صليباً ، لم ينزعه حتى كهولته ، حتى عند دخوله على الخلفاء ، فعرف لذلك " بذي الصليب ".
إلا أن هذه الألقاب الأخيرة لم تجر على ألسنة الرواة و النقاد مجرى اللقب الأول و ظل لقب الأخطل طاغياً على اسمه على مدى العصور الأدبية وصولاً إلى عصرنا الحاضر حيث زيد عليه لفظة " الكبير " للتمييز بينه و بين الأخطل الصغير بشارة الخوري الذي لقب بالأخطل تيمناً به.
تاريخ مولده :
و كما اختلف المؤرخون حول سبب لقبه ، فقد أغفلوا تاريخ ولادته و لم يذكروا تاريخاً محدداً لها . إلا أننا نستعين برواية ابن سلام الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء ، حيث يعطينا طرفاً يدلنا على تاريخ ولادة الأخطل على وجه التقريب فهو يقول : " كان الأخطل أسن أهل طبقته " " و من الثابت أن شعراء هذه الطبقة هم الفرزدق و جرير و الراعي و الأخطل أما الراعي فلا نعرف من تاريخ ميلاده شيئاً ، و أما جرير فقد ولد نحو سنة 28 و أما الفرزدق فقد قيل أن توفي بالبصرة سنة عشر و مائة بعد أن قارب المائة فهو إذاً ولد بين سنة عشرة و سنة خمس عشرة ، و بذلك يكون مولد الأخطل قبيل السنة العاشرة من الهجرة ، و لا نبعد عن الحقيقة إذا زعمنا أنه في أواخر السنة الثامنة " .
نشأته :
ليس للأخطل أسرة ذات شأن و تاريخ يفاخر بهما ، فقد كان أبوه غوث بن طارقة رجلاً عادياً و إن ذكر الأب لويس شيخو في كتابه " شعراء النصرانية بعد الإسلام أنه كان من وجوه قومه . أما أمه فاسمها ليلى و هي من قبيلة أياد النصرانية. و كانت تحبه و تحنو عليه ، لكن والده اتخذ عليها ضرة مما يدل أنه كان ضعيفاً في دينه الذي يحرم عليه الزواج من امرأة ثانية على حياة امرأته ، و نستدل من شعر الأخطل أن زوجة أبيه كانت تضنُّ عليه بما تمنحه لأبنائها ، و قد روى أبو الفرج عن رجل من تغلب أن الأخطل لحظ شكوة (4) لأمه فيها لبن ، و جراباً فيه تمر و زينب ، وكان جائعاً و كان يضيق عليه ، فقال لها : يا أمه ، آل فلان يزورونك و يقضون حقك ، و أنتِ لا تأتيهم و عندهم عليل ، فلو أتيتهم لكان أجملُ و أولى بك ، قالت : جزيت خيراً يا بني ، لقد نبهت عليَّ مكرمة ، و قامت فلبست ثيابها و مضت إليهم ، فمضى الأخطل إلى الشكوة ففرغ ما فيها ، و إلى الجراب فأكل التمر و الزبيبَ كله . و جاءت فلحظت موضعها فرأته فارغاً ، فعلمت أنه قد دهاها . و عمدت إلى خشبةٍ لتضربه بها فهرب و قال :
ألمَّ على عنباتِ العجوزِ ***** و شكوتها ، من غياثٍ لممْ (5)
فضلت تنادي ألا و يلها ***** وتلعن ُو اللعن منها أممْ (6)
أبنائه:
و من أولاد الأخطل لا نعرف إلاّ مالكاً الذي كنيَّ بإسمه ، و قد أراده أن يكون صاحب ذوق و دراية و كرم .
و كان سفيراً متجولا لأبيه يرسله في المهمات الأدبية و يعتمد على ذوقه الفني في هذا المجال . فقد روى أبو الفرج في أغانيه " أنه لما بلغ الأخطل تهاجي جرير و الفرزدق قال لابنه مالك : انحدر إلى العراق ، حتى حتى تسمع منهما و تأتيني بخبرهما ، فانحدر مالك حتى لقيهما و سمع منهما ، ثم أتى أباه ، فقال له : كيف وجدتهما ؟ قال : وجدت جريراً يغرف من بحر ، و وجدت الفرزدق ينحت من صخر ، فقال الأخطل : الذي ينحت من صخر أشعرهما .
الشاعر الذي كان يفخر به الأخطل :
كان متحمسا للفرزدق ، و يظهر ذلك واضحاً في تضاعيف القصائد حيث كان يفخر بالفرزدق و قومه دارم على جرير و رهطه يربوع.
زواجه :
أما عن زواجه فقد ذكر أنه تزوج أكثر من امرأة و لكن زوجته الأولى كانت أشهر نسائه ، فقد تحملت معه ضيق العيش في أوائل حياته ، و كانت الوحيدة التي استعبرت يوم وعد معاوية بن أبي سفيان الأنصار بقطع لسان الأخطل نظرا لهجائه فيهم :
ذهبتْ قريشٌ بالسماحةِ و الندى ***** و اللؤمُ تحت عمائمِ الأنصارِ
فهلع الأخطل لوعد معاوية و هلعت أم مالك أيضاً و في ذلك يقول الأخطل :
و إني غداة استعبرت أم مالكٍ ***** لراضٍ من السلطانِ أنْ يتهددا
و لكن تهتك الأخطل و فجوره أجج نار الخلاف بينهما فطلقها ، ثم تزوج كل منهما ، لكن أم مالك ظلت تكن له الشوق و كان ذلك لسان حاله أيضاً :
كلانا على همَّ يبيتُ كأنما بجنبيهِ ***** من مسَّ الفراشِ ، قروحُ
على زوجها الماضي تنوحُ و إنني ***** على زوجتي الأخرى كذاك أنوحُ
راوية الأخطل ( أي جني يُلقن الشعر ):
أما راوية الأخطل فقد سماه جريراً ، و لا نظنن أن جريراً هو الشاعر المعاصر للأخطل ، و هو يصفه أنه يتحدث إلى الحسان المريبات . فكان إن وصف ملازمته أماكن الفواحش و السوء ، وإعجاب بنات الريبة به ، و مطاردته لهن ، و جرأته في طلب الغانيات و استغراقه في البغاء و الفساد ، حتى أصبح الناس يخافون على أعراضهم منه :
ألهى جريراً عن أبيهِ و أمهِ ***** مكانٌ ، لشبانِ الرجالِ ، أنيقُ
قبيلته وديانتها :
أما قبيلة الشاعر فهي تغلب ، و كانت من قبائل ربيعة ، و لها تاريخ مجيد في الجاهلية حتى قيل فيها " لو أبطأ الإسلام قليلاً لأكلت بنو تغلب الناس " أما ديانة تغلب في الجاهلية فقد كانت الوثنية ، ثم تسربت إليها النصرانية و بعد ظهور الدعوة الإسلامية ، و تنادت قبائل العرب لمبايعة الرسول صلى الله عليه و سلم ، قدم وفدٌ من تغلب إلى المدينة مبايعاً ، فأسلم بعضه على يد النبي و بقي بعضه الآخر على النصرانية و قد عرف من أبناء تغلب شعراء كثيرون نذكر منهم في عصري الجاهلية و صدر الإسلام : المهلهل ، و عمرو بن كلثوم ، و عباد و عبدالله إبنا عمرو بن كلثوم و كعب بن جعيل و القطامي ابن أخت الأخطل ، و أبو حنش عصمبن النعمان و غيرهم .
دخوله بلاط الأمويين :
كانت تغلب على عداء دائم مع قيس خصوصا في أيام الأمويين ، و لا عجب في ذلك إذا عرفنا أن قيساً جاءت إلى الجزيرة موطأ تغلب نفسه فزاحمتهم في عقر دارهم، إضافة إلى بعض القبائل اليمانية التي كانت تناصر الأمويين . و هذا ما دفع معاوية بن أبي سفيان إلى استمالة اليمانيين إليه بعد كانوا يشايعون الإمام علي بن أبيطالب . أراد معاوية استمالة اليمانيين فتزوج من قبيلة كلب امرأة تدعى ميسون بنت بحدل و أنجبت له يزيد ، ثم استنصرهم لقتال قتلة عثمان حسب زعمه لأن أمه كانت كلبية أيضاً ، و لما توفي معاوية أبت قبيلة قيس مبايعة ابنه يزيد من بعده و قال أهلها :" و الله لا نبايع ابن الكلبية " فوقعت الحرب بين أمية و قيس و كانت تغلب إلى جانب أمية ضد القيسيين و لما آلت الخلافة إلى مروان بن الحكم ، بايعت قبيلة قيس عبد الله بن الزبير . فخرجت إليهم أمية و حلفاؤها من أفناء اليمن وقاتلتهم بمرج راهط فأهلكتهم شر مهلكة ، و قتلت رئيسهم الضحاك بن قيس الفهري معتسعة مع تسعة آلاف من القيسيين ، ثم وقعت في أيام عبد الملك بن مروان الحرب بين قيس و تغلب فاستعانت تغلب بأحلافها من الأمويين و اليمنيين و كانت موقعة كسرت فيها شوكة القيسيين بموت زعيمهم مصعب بن الزبير.
كلذلك و الأخطل يتحين فرصة النطق باسم القبيلة ، و كيف الوصل إلى ذلك و في الساحة شاعرٌ مجدٌّ له فضل على قبيلته بما قدم لها من مآثر خلدها في شهره ، و ظل الأخطل يتحين الفرصة حتى قدمها له شاعر القبيلة نفسه كعب بن جعيل ، و ذلك أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت كان قد شبب برملة بنت معاوية بن أبي سفيان ، فبلغ ذلك يزيدا ًأخاها فغضب و دخل على أبيه فقال : " يا أمير المؤمنين ، ألا ترى أن هذا العلج (7)من أهل يثرب يتهكم بأعراضنا و يشبب بنسائنا ! " قال معاوية : " و من هو؟ " قال : " عبد الرحمن بن حسان " و أنشده ما قال :
طال ليلي و بتُّ كالمحزونِ ***** و مللتُ الثواء في جيرون (8)
كلذلك و الأخطل يتحين فرصة النطق باسم القبيلة ، و كيف الوصل إلى ذلك و في الساحة شاعرٌ مجدٌّ له فضل على قبيلته بما قدم لها من مآثر خلدها في شهره ، و ظل الأخطل يتحين الفرصة حتى قدمها له شاعر القبيلة نفسه كعب بن جعيل ، و ذلك أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت كان قد شبب برملة بنت معاوية بن أبي سفيان ، فبلغ ذلك يزيدا ًأخاها فغضب و دخل على أبيه فقال : " يا أمير المؤمنين ، ألا ترى أن هذا العلج (7)من أهل يثرب يتهكم بأعراضنا و يشبب بنسائنا ! " قال معاوية : " و من هو؟ " قال : " عبد الرحمن بن حسان " و أنشده ما قال :
طال ليلي و بتُّ كالمحزونِ ***** و مللتُ الثواء في جيرون (8)
فلذاك اغتربت في الشام حتى ***** ظنَّ أهلي مرجمات الظنونِ
هي زهراءُ ، مثل لؤلؤةِ الغواصِ ***** ميزتْ من جوهرِ مكنونِ
هي زهراءُ ، مثل لؤلؤةِ الغواصِ ***** ميزتْ من جوهرِ مكنونِ
إذا ما نسبتها لم تجدها ***** في سناءِ من المكارمِ دون
تم خاصرتها إلى القبة الخضرا ***** ءِ تمشي في مرمرِ مسنونِ
تم خاصرتها إلى القبة الخضرا ***** ءِ تمشي في مرمرِ مسنونِ
فقال معاوية " يا يزيد ، ليست العقوبة من أحد أقبحُ منها من ذوي القدرة ، و لكن أمهل حتى يأتي وفد الأنصار ثم ذكرني " فلما قدموا ذكره به ، فلما دخلوا عليه قال : " يا عبد الرحمن ، ألم يبلغني أنك تشبب برملة بنت أمير المؤمنين ؟ " قال : " بلى " و لو علمت أن أحداً أشرف به شعري أشرف منها لذكرته " . قال : " و أين أنت عن أختها هند ؟ " قال : "و إن لها أختاً ! ؟ " قال : " نعم " و إنما أراد معاوية أن يشبببهما معاً ليظهر كذبه .
فلم يرض يزيد من والده خصوصاً و أن عبدالرحمن بن حسان قد ذكرها صراحة في شعره :
رملُ هل تذكرين يومَ غزالٍ ***** إذ قطعنا مسيرنا بالتمني
إذ تقولين عمركَ اللهُ هل شي ***** ء ، و إن جلَّ ، سوف يُليك عني
أوَ أطعمتُ منكم يا ابن حسا ***** نَ ، كما قد أراكَ أطعمتَ مني
فأرسل يزيد بن معاوية بطلب كعب بن جعيل و طلبَ منه هجاء الأنصار فتحرج كعب من هذا الأمر ، لعلمه بأن هجاءه لهم سينال من المسلمين جميعاً فقال ليزيد :" و الله ما تلتقي شفتايَ بهجاء الأنصار " و قيل أنه ردّ قائلاً :" أرادي أنت إلى الكفر بعد الإسلام ؟ لا أهجو قوماً نصروا رسول الله وآووه وكان كعب حديث الإسلام بعد نصرانيته الأولى ثم قال : " و لكني أدلك على غلامٍ منا نصراني ، لا يبالي إن يهجوهم ، كأن لسانه لسان ثور قال : " من " قال: " الأخطل" .
هذه الفرصة النادرة التي قدمها له شاعر قبيلته و الناطق باسمها كعب بن جعيل جعلت الأخطل يمسك بزمام المبادرة ليس فقط ليصبح شاعر تغلب و إنما ليدخل بلاط الخلفاء الأمويين من الباب الواسع . فقرر أن يمضي بهذه المسألة حتى النهاية مهما كلفته من المصاعب ، و أياً كانت النتائج ، و لكنه آثر أن يحتفظ لنفسه بضمانةٍ من يزيد بن معاوية تجعله في مأمن إذا ما تعرض للأخطار ، فقال له : " أهجوهم على أن تمنعني " قال يزيد : " نعم " قال : " كيف أصنع بمكانهم" ؟ أخاف على نفسي و أفرق من أمير المؤمنين فقال يزيد : " لا تخف شيئاً، لك ذمة أمير المؤمنين و ذمتي " فأنشد قصيدته التي مطلعها :
ذهبتْ قريشٌ بالسماحةِ و الندى ***** و اللؤمُ تحتَ عمائمهمِ الأنصارِ
فدعوا المكارمَ لستمُ من أهلها ***** و خذوا مساحيكم بني النجارِ
إن الفوارس يعرفون ظهوركم ***** أولادَ كلَّ مسفحٍ أكارِ
و إذا نسبتَ إبنَ الفريعةِ خلتهُ ***** كالجحشِ بين حمارةٍ و حمارِ
فدعوا المكارمَ لستمُ من أهلها ***** و خذوا مساحيكم بني النجارِ
إن الفوارس يعرفون ظهوركم ***** أولادَ كلَّ مسفحٍ أكارِ
و إذا نسبتَ إبنَ الفريعةِ خلتهُ ***** كالجحشِ بين حمارةٍ و حمارِ
فوصل الأمر إلى النعمان بين بشير الأنصاري ، و كان صاحب حظوة عند معاوية بن أبي سفيان ، لأنه كان ومسلمة بن مخلد مع الأمويين في سياستهم دون بقية الأنصار .
دخل النعمان على معاوية حاسر الرأس بعد أن ألقى عمامته و قال : يامعاوية أترى لؤماً ؟ قال : ما أرى إلاّ كرماً . فأنشده النعمان قصيد منها :
معاويَ ، إلاّ تعطنا الحق تعترف ***** لحمى الأزدِ مشدوداً عليهاالعمائم
أيشتمنا عبدُ الأراقمِ ضلةً ***** و ما الذي تجدي عليك الأراقم ؟
فما ليَ ثأرٌ دونَ قطع لسانهِ ***** فدونكَ من يرضيهِ عنك الدراهم …
و إني لأغضي عن أمورٍ كثيرةٍ ***** سترقى بها يوماً إليكَ السلالمُ
فما أنتَ و الأمرُ الي لست أهلهُ **** و لكنْ وليُّ الحقَّ و الأمرِهاشمُ
أيشتمنا عبدُ الأراقمِ ضلةً ***** و ما الذي تجدي عليك الأراقم ؟
فما ليَ ثأرٌ دونَ قطع لسانهِ ***** فدونكَ من يرضيهِ عنك الدراهم …
و إني لأغضي عن أمورٍ كثيرةٍ ***** سترقى بها يوماً إليكَ السلالمُ
فما أنتَ و الأمرُ الي لست أهلهُ **** و لكنْ وليُّ الحقَّ و الأمرِهاشمُ
وقيل إن معاوية قال و من بلغ ذاك منكم ؟ قال غلامٌ نصرانيٌ من بني تغلب بلغ منا أمر ما بلغ منا في جاهلية و لا إسلام . قال معاوية : " و ما حاجتك ؟ " قال النعمان : " لسانه " قال : لك ذلك ، و كتب فيه أن يؤتى به .
و بلغَ الأمر الأخطل فأسرع إلى يزيد و قال له : هذا الذي كنت أخاف . فطمأنه يزيد و قال : لا تخف شيئاً . ثم دخل على معاوية طالباً العفو له ، و طلب من النعمان البينة على ما يقول ، فلما عجز عن الإتيان بها ، خلى معاوية سبيله . و قيل إن يزيد أسرّ لأبيه أنه وهبه ذمته و ذمة أبيه إذا هجا الأنصار . و نظم الأخطل بعدها قصيدة يشكر فيها يزيد على موقفه منه و رعايته إياه ، داخلاً بذلك بلاط الأمويين ، مقرباً من يزيد الذي شفا نفسه من تشبيب ابن حسان لشقيقته :
و لولا يزيدُ ابن الملوك وسيبه ***** تجللتُ حدباراً ، من الشر أنكدا
أبا خالدٍ دافعت عني عظيمةً ***** و أدركت لحمي قبل أن يتبددا
و أطفأت عني نارَ نعمان بعد ما ***** أعدَّ لأمرٍ عاجزٍ و تجردا
أبا خالدٍ دافعت عني عظيمةً ***** و أدركت لحمي قبل أن يتبددا
و أطفأت عني نارَ نعمان بعد ما ***** أعدَّ لأمرٍ عاجزٍ و تجردا
و من هذه الحادثة استطاع الأخطل أن ينفذ من حدود القبيلة إلى مسرح السياسة و يصبح من نجوم ذلك العصر ، فقد دخل ديوان معاوية ثم مدح يزيد ابنه ثم خالد بن يزيد ثم عبد الله بن معاوية ، ثم انتقلت مدائحه إلى البيت المرواني و له قصائد في عبد الملك ابن مروان . و بشر بن مروان ، و الحجاج بن يوسف الثقفي ، وعكرمة الفياض . و خالد ابن أسيد و الوليد بن عبد الملك ، و غيرهم من سادات الأمويين و أشرافهم .
وهكذا بقي الأخطل شاعر البيت الأموي ، ينال منهم أعطيات جعلته يملك داراً للشراب ، فأسبغوا عليه النعم ، ولم ينتقص من رعايته إلا هاشم بن عبد الملك لما عُرف به من البخل .
الخمرة في حياته :
أما عن الخمرة فقد كان لها سلطانه على الشاعر ، وقد تركت أصداء عديدة في جوانب شخصيته .
ولعل دينه قد جعله في حل من التحريم الذي وضعه الإسلام على الخمرة . ففاخر في شرابها ومعاقرتها دون خوف او وجل حتى انه كان يدخل بلاط عبد الملك بن مروان ولحيته تقطر خمراً .
واورد أبو الفرج في اغانيه نادرة للدلالة على ان الأخطل كان عاشقاً للخمره يشتاقها ولا يخرج منها حتى في حضرة امير المؤمنين فقال :
( دخل الأخطل يوماً على عبدالملك بن مروان فاستنشده عبدالملك فقال : قد يبس حلقي ، فمر من يسقني ، فقال : إسقوه ماء . فقال : شراب الحمار ، وهو عندنا كثير ! قال : فاسقوه لبناً . قال : عن اللبن فطمت ! قال : فاسقوه عسلاً . قال : شراب المريض ! قال : فتريد ماذا : قال خمراً يا أمير المؤمنين . قال : أوعهدني أسقي خمراً ؟ لا أم لك ! لولا حرمتك عندنا لفعلت بك وفعلت ، فخرج . فلقي فراشاً لعبد الملك فقال : ويلك إن أمير المؤمنين استنشدني ، وقد صحل صوتي فاسقني شربة خمر . فسقاه . فقال : أعدله بآخر . فسقاه آخر فقال تركتهما يعتركان في بطني . اسقني ثالثاً . فسقاه ثالثاً فقال : تركتني امشي على واحده . أعدل ميلي برابع فسقاه رابع فدخل على عبدالملك فأنشده :
خف القطين فراحوا منك وابتكروا ***** وأزعجتهم نوى ، في صرفها غير .
فقال الملك : خذ بيده يا غلام فأخرجه ، ثم ألف عليه من الخلع مايضمره ، وأحسن جائزته وقال :
إن لكل قوم شاعراً ، وأن شاعر بني أمية الأخطل .
ولكنه مع كل هذه المنزلة عند خلفاء المسلمين فقد ظل على نصرانيته ولم يدخل الاسلام إلى قلبه ، لا بل جاهر في هذه النصرانية بشكل علني وظل الصليب الذي أهدته إياه أمه معلقاً في عنقه إلى حين وفاته .
وجدير بالذكر أن تعلقه بالنصرانية لم يكن التزاماً للدين والعقيدة . بل كان مجرد حفاظاً على موروث ديني بقبيلته تغلب التي لم تدخل الاسلام كلها فقد كان ماجناً مستخفاً بالعقيدة يقذف النساء العفيفات ، ويشتم أعراض الناس ويهجوهم .
وقد حاول خلفاء الأمويين أن يستميلوه للدخول في الاسلام وذلك لتحرجهم وهو شاعرهم أن يكون نصرانياً بينما هم حماة الدين وأمراؤه .
وقد عرض عليه عبد الملك الاسلام مراراً فقد روي أنه قال له يوماً : لم لا تسلم يا أخطل ؟
قال : إن أحللت لي الخمر ، ووضعت عني صوم رمضان أسلمت فقال له عبدالملك ، إن أسلمت ثم قصرت في شيء من الاسلام ضربت الذي في عنقك فقال الأخطل :
ولست بصائم رمضان ، يوماً ***** ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بقائم كالعير يدعو ***** قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً ***** وأسجد عند منبلج الصباح
منزلة الأخطل بين شعراء عصره :
منهم من زعم أنه أشعر العرب قاطبة ومنهم من فضله على شعراء الجاهلية والإسلام والروايات كثير في هذا الأمر .
روي أن عبد الملك بن مروان عندما سمع قصيدة الأخطل حف القطين قال : ويحك يا أخطل ، أتريد أن أكتب إلى الأفاق أنك أشعر العرب ، قال اكتفي بقول أمير المؤمنين . ثم خرج به مولى لعبد الملك على الناس بقول : هذا شاعر أمير المؤمنين هذا أشعر العرب .
و خير شهادة تظهر مكانة الأخطل حتى بين منافسيه في ذلك العصر فقد قال جرير : ابن النصرانية أرمانا للفرائص(9) وامدحنا للملوك وأوصفنا للخمر والحمر(10) .ثم قال :
ما هُجينا بقول أشد علينا من قول الأخطل :
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم***** قالوا لأمهم بولي على النار
أما شهادة الفرزدق فيه يوم سأله ضوء بين اللجلاج في الكوفة : من أمدح أهل الإسلام قال : الأخطل أمدح العرب . وجوابه لعبد الملك بن مروان حين سأله :
من أشعر الناس في الاسلام ؟ قال الفرزدق : كفاك بإبن النصرانية إذا مدح .
وفاته :
دامت حياة الأخطل نيفاً و سبعين سنة قضاها أبو مالك في تهتك و هجاء وفخر و مديح ، و مات في خلافة الوليد بن عبد الملك . و دليلنا على ذلك قول الوليد :
دامت حياة الأخطل نيفاً و سبعين سنة قضاها أبو مالك في تهتك و هجاء وفخر و مديح ، و مات في خلافة الوليد بن عبد الملك . و دليلنا على ذلك قول الوليد :
" ما أخرج لسان ابن النصرانية ما في صدره من الشعر حتى مات . و كانت وفاته عام 92 للهجرة " .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) القرزمة : بدايات قول الشعر ، قبل تملكه الملكة والقريحه .
2) فناك .
3) إست .
4) الشكوة : وعاء من جلد كالقفة .
5) اللمم : الإصابة و الذنب الصغير .
6) الأمم : القريب واليسير .
7) العلج : الكافر من الأعاجم وكان عبدالرحمن من أنصار يثرب .
8) الجيرون : إسم موضع عند باب دمشق .
9) الفرائص : مفردها فريصه وهي لحمه عند منبض القلب .
10) الحمر : النساء البيض .
ن
29-07-2012 | 12:27 AM
الفصل الثاني
موقف النقاد من شعره
موقف النقاد من شعره
ن
29-07-2012 | 12:28 AM
المبحث الأول: الطبع والتكلف
يمكن القول إن النقاد القدامى قد اكثروا من حديثهم عن الطبع والتكلف عند الشعراء، واصبح [الطبع والتكلف] مصطلحين نقديين قائمين بذاتها يعتمد عليهما النقد للحكم على الشعراء قديماًوحديثاً([COLOR=black][FONT=Times New Roman][1]).[/COLOR][/FONT]
فالقاضي الجرجاني (ت 392هـ) يرى "… ان الشعر علم من علوم العرب، وفيه الطبع والرواية والذكاء وتكون الدربة مادة له وقوة لكل واحد من اسبابه، فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرز، وبقدر تصيبه منها تكون مرتبته من الأحسان..."([COLOR=black][FONT=Times New Roman][2]).[/COLOR][/FONT]
أما حازم القرطاجني (ت 684هـ) فيؤكد أن "… النظم صناعة آلتها الطبع، والطبع هو استكمال للنفس في فهم اسرارالكلام والبصيرة بالمذاهب والاغراض التي من شأن الكلام الشعري الذي ينحى به نحوها.فأذا احطت بذلك علماً قويت على صوغ الكلام تحسبه عملاً..."([COLOR=black][FONT=Times New Roman][3]).[/COLOR][/FONT]
وكان بشر بن المعتمر سباقاً الى القول بالطبع والموهبة وتأكيدهما، فهو يقول:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([FONT=Times New Roman][1]) إن العرب القدماء نظروا الى القصيدة من خلال فصاحة الكلام وجزالته ، وبسط المعنى وابرازه، واتقان بنية الشعر، في حين صار الشعر عند المحدثين صنعةوتبدلت الألفاظ والعبارات، واذا كانت القصيدة القديمة قد عرفت بعفويتها وصدق تعبيرها، فالشعر المحدث اصبح يتصل بمؤثرات جديدة ابعدته عن الينابيع القديمة لأصولالشعر، إن هذا كله جعل النقاد القدامى يصفون الشعر القديم بـ(الطبع) والنوع الآخريسمونه بـ(التكلف)، ينظر: الطبع والصنعة معياراً نقدياً عند العرب، رسالة ماجستير،على الآلة الطابعة، عبد السلام محمد رشيد، ص181.
([2]) الوساطة، ص15.
([3]) منهاج البلغاء وسراج الادباء، تحـ: الحبيب بن خوجة، ص199.
[/FONT]
ن
29-07-2012 | 12:49 AM
"فأن ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الصنعة ولم تسمح لك الطباع في اول وهلة،... فلا تعجل ولا تضجر، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك فأنك لا تعدم الاجابة والمواتاة ان كانت هناك طبيعة او جريت من الصناعة على
عرق..."([1]).
ومن النقاد الذين تعصبوا للقديم ضد الحديث الأصمعي (ت 216هـ) فحين يعرض للشعر القديم يقف عند شعر بعض شعرائه امثال الحطيئة واستاذه زهير فيقول:" زهير والحطيئة وأمثالهما من الشعراء عبيد الشعر، لأنهم نقحوه، ولم يذهبوا مذهب المطبوعين"([2]). لأنه يرى"أنهما يتكلفان لصلاحه، فيشغلان به حواسهما وخواطرهما"([3])، ومن امثالهما الذين يتحدث عنهم الأصمعي شاعرنا الأخطل الذي كان احد تلاميذ المدرسة الزهيرية في تنقيح الشعر والعناية به. وحين سُئل عن الأخطل، انشدهم الأصمعي زهاء العشرة ابيات ثمقال: من قال ان هناك مثلها قبله ولا بعده فلا تصدقه([4]).
وعبودية الأخطل للشعر كانت شديدة التأثير في نتاجه، وتفرض عليه أعباء كبيرة، لا يطيقها اكثر الشعراء، ولا سيما جرير وأشباهه من المطبوعين، فتحمله على التضحية بكثير من شعره. روى الأصمعي أن الأخطل كان ينظم تسعين بيتاً، ثم يختار منها ثلاثين فيذيعها([5]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) البيان والتبيين، 1/138.
([2]) فحولة الشعراء، 49.
([3]) العمدة، ابن رشيق، 1/133.
([4]) ينظر: فحولة الشعراء، 24.
([5]) ينظر: الأغاني، 8/282.
عرق..."([1]).
ومن النقاد الذين تعصبوا للقديم ضد الحديث الأصمعي (ت 216هـ) فحين يعرض للشعر القديم يقف عند شعر بعض شعرائه امثال الحطيئة واستاذه زهير فيقول:" زهير والحطيئة وأمثالهما من الشعراء عبيد الشعر، لأنهم نقحوه، ولم يذهبوا مذهب المطبوعين"([2]). لأنه يرى"أنهما يتكلفان لصلاحه، فيشغلان به حواسهما وخواطرهما"([3])، ومن امثالهما الذين يتحدث عنهم الأصمعي شاعرنا الأخطل الذي كان احد تلاميذ المدرسة الزهيرية في تنقيح الشعر والعناية به. وحين سُئل عن الأخطل، انشدهم الأصمعي زهاء العشرة ابيات ثمقال: من قال ان هناك مثلها قبله ولا بعده فلا تصدقه([4]).
وعبودية الأخطل للشعر كانت شديدة التأثير في نتاجه، وتفرض عليه أعباء كبيرة، لا يطيقها اكثر الشعراء، ولا سيما جرير وأشباهه من المطبوعين، فتحمله على التضحية بكثير من شعره. روى الأصمعي أن الأخطل كان ينظم تسعين بيتاً، ثم يختار منها ثلاثين فيذيعها([5]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) البيان والتبيين، 1/138.
([2]) فحولة الشعراء، 49.
([3]) العمدة، ابن رشيق، 1/133.
([4]) ينظر: فحولة الشعراء، 24.
([5]) ينظر: الأغاني، 8/282.
ن
29-07-2012 | 01:07 AM
فهذا الامر انما يدل على جهد كان يضطلع به الأخطل، في صُنع شعره، فهو لم يكن ممن يفهمون الشعر على انه شيء يصدر عن الفطرة ، بل كان يفهمه على انه يصدر عن الخبرة والجهد والتثقيف والتنقيح ، فهو ممن يعملون شعرهم عملاً يتكلفونه تكلفاً، ويجودنه حتى يخرجوه مستوياً.
ومن هنا اتسم شعر الأخطل بالفحولة، فهو لم يؤخذ بضعف اللفظ، ولم يؤخذ بسقطة في روي أو نحو أو صيغة، وكان أن شبهّه ابو عمرو بن العلاء بالنابغة الذبياني([1])،وقال فيه ابو عبيدة: الأخطل اشبه بالجاهلية، وأشدهم أسر شعر، وأقلهم سقطاً([2]).
وهكذا تسلم الأخطل مع بعض معاصريه ، لواء الصنعة في الشعر من ايدي تلاميذ زهير، لينفخ فيه روحاً جديدة، ويسلمه الى الشعراء من بعده، فتنقل هذه السمة الى القرون التالية، وكان لرزانة شعره وجزالته ان ذهب عنه رونق البريق، وسلطان السحر الفني الأخاذ، فنال خصمه جرير من سيرورة الشعر والشهرة، والشعبية، مالم يصل اليه الأخطل. قال معاوية بن ابي عمرو بن العلاء لأبن سلاّم: ايّ البيتين عندك أجود، قول جرير:
أم قول الأخطل:
فقال ابن سلام: بيت جرير أحلى وأسير، وبيت الأخطل أجزل و أوزن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ينظر: م.ن 8/285.
([2]) ينظر: م.ن 8/282.
([3]) ديوانه.
([4]) شعر الأخطل 1/201.
ومن هنا اتسم شعر الأخطل بالفحولة، فهو لم يؤخذ بضعف اللفظ، ولم يؤخذ بسقطة في روي أو نحو أو صيغة، وكان أن شبهّه ابو عمرو بن العلاء بالنابغة الذبياني([1])،وقال فيه ابو عبيدة: الأخطل اشبه بالجاهلية، وأشدهم أسر شعر، وأقلهم سقطاً([2]).
وهكذا تسلم الأخطل مع بعض معاصريه ، لواء الصنعة في الشعر من ايدي تلاميذ زهير، لينفخ فيه روحاً جديدة، ويسلمه الى الشعراء من بعده، فتنقل هذه السمة الى القرون التالية، وكان لرزانة شعره وجزالته ان ذهب عنه رونق البريق، وسلطان السحر الفني الأخاذ، فنال خصمه جرير من سيرورة الشعر والشهرة، والشعبية، مالم يصل اليه الأخطل. قال معاوية بن ابي عمرو بن العلاء لأبن سلاّم: ايّ البيتين عندك أجود، قول جرير:
ألَسْتُم خَيْرَ مَنْ رَكِب المطايا ***** وأندى العالمين بون راحِ!([3])
أم قول الأخطل:
شَمسُ العَداوةِ حتى يُسْتقادَ لَهُم ***** وأعُظمُ النَّاس أحْلاماً إذا قَدرُوا([4])
فقال ابن سلام: بيت جرير أحلى وأسير، وبيت الأخطل أجزل و أوزن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ينظر: م.ن 8/285.
([2]) ينظر: م.ن 8/282.
([3]) ديوانه.
([4]) شعر الأخطل 1/201.
ن
29-07-2012 | 01:29 AM
فقال: صدقت، وهكذا كانا في انفسهما عند الخاصة والعامة([1]).
وخير دليل على سمو فنية الأخطل الشعرية ما روي أن في شعره قفزات ممتازة كثيرة، وقف عندها النقاد، وأبدوا اعجابهم بها وتقديرهم لها، وجعلوها من مختار شعره ومقلّداته. فابن سلام خصّص قسماً من كتابه لـ"مقلّدات الأخطل"، فعرض فيه ابياتاً مشهورة، يُضرب بها المثل ويستغني كل منها بنفسه، منها قوله:
وكان الجاحظ (ت 255هـ) من الذين التفتوا الى مسألة الطبع والتكلف ويبدو فيها متأثراً بأستاذه الأصمعي فقد كان يعرض لآراء الأصمعي ثم يدعمها بأرائه من ذلك قوله: "وقال الأصمعي: زهير بن ابي سلمى…واشباههما، عبيد الشعر، وكذلك كل من جوّد في جميع شعره، ووقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر، حتى يخرج ابيات القصيدة كلها مستوية في الجودة. وكان يقال: لولا ان الشعر قد كان استبعدهم واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم باب التكلف واصحاب الصنعة،ومن يلتمس قهر الكلام، وأغتصاب اللفاظ، لذهبوا مذهب المطبوعين الذين تأتيهمالمعاني سهواً رهواً، وتنهال عليهم الالفاظ انثيالاً"([3]).
ومما يلاحظ على الجاحظ أنه وإن آمن ايماناً عميقاً بأقوال الأصمعي وردد آراءه في التكلف والمتكلفين من الشعراء، إلا انه كان يُعدُّ العمل الأدبي عموماً والشعر خصوصاً صناعة أو حرفة تعتمد على التفنن في التعبير والصياغة والاجادة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ينظر: طبقات فحول الشعراء، 1/494.
([2]) ينظر: م.ن 1/493.
([3]) البيان والتبيين، 2/13.
وخير دليل على سمو فنية الأخطل الشعرية ما روي أن في شعره قفزات ممتازة كثيرة، وقف عندها النقاد، وأبدوا اعجابهم بها وتقديرهم لها، وجعلوها من مختار شعره ومقلّداته. فابن سلام خصّص قسماً من كتابه لـ"مقلّدات الأخطل"، فعرض فيه ابياتاً مشهورة، يُضرب بها المثل ويستغني كل منها بنفسه، منها قوله:
وإذا افتقرتَ إلى الذّخائر لم تجِدْ ***** ذُخراً، يكون كصالحِ الأعمالِ([2])
وكان الجاحظ (ت 255هـ) من الذين التفتوا الى مسألة الطبع والتكلف ويبدو فيها متأثراً بأستاذه الأصمعي فقد كان يعرض لآراء الأصمعي ثم يدعمها بأرائه من ذلك قوله: "وقال الأصمعي: زهير بن ابي سلمى…واشباههما، عبيد الشعر، وكذلك كل من جوّد في جميع شعره، ووقف عند كل بيت قاله، وأعاد فيه النظر، حتى يخرج ابيات القصيدة كلها مستوية في الجودة. وكان يقال: لولا ان الشعر قد كان استبعدهم واستفرغ مجهودهم حتى أدخلهم باب التكلف واصحاب الصنعة،ومن يلتمس قهر الكلام، وأغتصاب اللفاظ، لذهبوا مذهب المطبوعين الذين تأتيهمالمعاني سهواً رهواً، وتنهال عليهم الالفاظ انثيالاً"([3]).
ومما يلاحظ على الجاحظ أنه وإن آمن ايماناً عميقاً بأقوال الأصمعي وردد آراءه في التكلف والمتكلفين من الشعراء، إلا انه كان يُعدُّ العمل الأدبي عموماً والشعر خصوصاً صناعة أو حرفة تعتمد على التفنن في التعبير والصياغة والاجادة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ينظر: طبقات فحول الشعراء، 1/494.
([2]) ينظر: م.ن 1/493.
([3]) البيان والتبيين، 2/13.
ن
29-07-2012 | 01:39 AM
والأتقان بهما إذ يقول:"وانما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنسٌ من التصوير"([1]).
وهذا يدعم قول ابن سلام في صياغة الشعر إذ يقول: "وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم به، كسائر اصناف العلم والصناعات"([2]) والجاحظ لاحظ اهتمام بعض الشعراء بتنقيح شعرهم فيقول: "ومن شعراء العرب من يدع القصيدة تمكث عنده حولاً كريتاً، وزمناً طويلاً، يردد فيها نظرة، ويجيل فيها عقله ويقلب فيها رأيه،أتهاماً لعقله، وتتبعاً على نفسه، فيجعل عقله زماماً على رأيه، ورأيه عياراً على شعره، إشفاقاً على أدبه، واحرازاً لما خوله الله تعالى من نعمته، وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات، والمنقحات، ليصير قائلها فحلاً خنذيذاً، وشاعراً مفلّقاً"([3]) ويفهم من هنا ان الشاعر الذي يعمل على احكام قصائده بتنقيحها وتهذيبها، شاعر فحل،وهو أعلى الشعراء منزلة، ويجد ان التنقيح الشعري شيء ضروري للشعراء المتكسبين لاسيما اذا كان الممدوح من الملوك والسادة، فيعلل له، ويذكره بقوله: "ومن تكسب بشعره، والتمس به صلات الأشراف والقادة، وجوائز الملوك والسادة، في قصائد السّماطين،أو بالطِّوال التي تُنشد يوم الحفل، لم يجد بُداً من صنيع زهير والحطيئة واشباههما فإذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام وتركوا المجهود"([4]).
ويظهر الجاحظ مضطرباً في اقواله تلك، إذ لا نجد له رأياً محدداً، ففي الوقت الذي يأخذ فيه برأي الأصمعي في تقديم الشعر المطبوع على المتكلف، يرى أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الحيوان، الجاحظ، 3/132.
([2]) طبقات فحول الشعراء، ابن سلام، 1/5.
([3]) البيان والتبيين، الجاحظ، 2/9.
([4]) البيان والتبيين، 2/13.
وهذا يدعم قول ابن سلام في صياغة الشعر إذ يقول: "وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم به، كسائر اصناف العلم والصناعات"([2]) والجاحظ لاحظ اهتمام بعض الشعراء بتنقيح شعرهم فيقول: "ومن شعراء العرب من يدع القصيدة تمكث عنده حولاً كريتاً، وزمناً طويلاً، يردد فيها نظرة، ويجيل فيها عقله ويقلب فيها رأيه،أتهاماً لعقله، وتتبعاً على نفسه، فيجعل عقله زماماً على رأيه، ورأيه عياراً على شعره، إشفاقاً على أدبه، واحرازاً لما خوله الله تعالى من نعمته، وكانوا يسمون تلك القصائد الحوليات والمقلدات، والمنقحات، ليصير قائلها فحلاً خنذيذاً، وشاعراً مفلّقاً"([3]) ويفهم من هنا ان الشاعر الذي يعمل على احكام قصائده بتنقيحها وتهذيبها، شاعر فحل،وهو أعلى الشعراء منزلة، ويجد ان التنقيح الشعري شيء ضروري للشعراء المتكسبين لاسيما اذا كان الممدوح من الملوك والسادة، فيعلل له، ويذكره بقوله: "ومن تكسب بشعره، والتمس به صلات الأشراف والقادة، وجوائز الملوك والسادة، في قصائد السّماطين،أو بالطِّوال التي تُنشد يوم الحفل، لم يجد بُداً من صنيع زهير والحطيئة واشباههما فإذا قالوا في غير ذلك أخذوا عفو الكلام وتركوا المجهود"([4]).
ويظهر الجاحظ مضطرباً في اقواله تلك، إذ لا نجد له رأياً محدداً، ففي الوقت الذي يأخذ فيه برأي الأصمعي في تقديم الشعر المطبوع على المتكلف، يرى أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الحيوان، الجاحظ، 3/132.
([2]) طبقات فحول الشعراء، ابن سلام، 1/5.
([3]) البيان والتبيين، الجاحظ، 2/9.
([4]) البيان والتبيين، 2/13.
ن
29-07-2012 | 10:00 PM
الشعر صناعة وأن الشاعر يصير فحلاً حين يهذب شعره ، كان يلتمس عذراً للمنقحين من الشعراء، فالجاحظ مما يبدو، لم يكن واضحاً كل الوضوح في حديثه عن الطبع والتكلف الذي أثار جدل النقاد، فأطلقوا السنتهم ليعبر كل واحد منهم عن مفهومه الخاص ورؤياه الذاتية بشأنها.
وابن قتيبة (ت 276هـ) كان واحداً من النقاد المعاصرين للجاحظ ، والخائضين معه في الحديث عن الطبع والتكلف، يرى أن "المتكلف هو الذي قوّم شعره بالثقاف، ونقحه بطول التفتيش، واعاد فيه النظر بعد النظر"([1]).
وبالأمكان معرفة المطبوع من المتكلف، لأن المتكلف، وان كان جيداً، إلا انه يظهر فيه معاناة صاحبه، واعمال فكره واستفراغ مجهوده([2]) ، ونتبين التكلف في الشعر ايضاً، بأن ترى البيت فيه مقروناً بغير جاره، ومضموماً الى غير لفقه.
واذا ما عدنا الى الحقائق التي ذكرناها نجد حالة التفاوت واجادة فن دون آخر هي امر مرتبط بالفروق الفردية بين الاشخاص على نحو عام، فضلاً عن أثر الجانبين البيئي والنفسي للشاعر، واللذين يكونان ثقافة الشاعر وهو الأمر الذي يشكل الأطار الشعري لديه والذي يتلازم مع موهبته الشعرية.
وتفاوتت مواقف النقاد القدامى بشأن التكلف، غير ان النقاد المتأخرين منهم لم يجدوا في الشعر المصنوع (المتكلف) عيباً يخل بشاعرية الشاعر، أذ يرون ضرورة التنقيح والتهذيب([3]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الشعر والشعراء، 1/78.
([2])[COLOR=darkred] ينظر: م.ن 1/[/COLOR]88
([3]) من الذين وقفوا ضد التكلف، الأصمعي، ينظر العمدة 1/197-198، وقدامةبن جعفر، ينظر نقد الشعر، ص172، وعبد القاهر الجرجاني، ينظر اسرار البلاغةص120-121، ومن المعتدلين في موقفهم ضد التكلف، الجاحظ، ينظر البيان والتبيين، 2/9،وابن قتيبة، ينظر الشعر والشعراء 1/94، وابن منقذ، ينظر البديع في نقد الشعر ص295،وابن رشيق القيرواني، ينظر العمدة 1/129، وابن سنان الخفاجي، ينظر سر الفصاحةص275، وحازم القرطاجي، وينظر منهاج البلغاء وسراج الادباء ص26، ينظر: تحريرالتحبير، ابن ابي الأصبع المصري، ص26.
وابن قتيبة (ت 276هـ) كان واحداً من النقاد المعاصرين للجاحظ ، والخائضين معه في الحديث عن الطبع والتكلف، يرى أن "المتكلف هو الذي قوّم شعره بالثقاف، ونقحه بطول التفتيش، واعاد فيه النظر بعد النظر"([1]).
وبالأمكان معرفة المطبوع من المتكلف، لأن المتكلف، وان كان جيداً، إلا انه يظهر فيه معاناة صاحبه، واعمال فكره واستفراغ مجهوده([2]) ، ونتبين التكلف في الشعر ايضاً، بأن ترى البيت فيه مقروناً بغير جاره، ومضموماً الى غير لفقه.
واذا ما عدنا الى الحقائق التي ذكرناها نجد حالة التفاوت واجادة فن دون آخر هي امر مرتبط بالفروق الفردية بين الاشخاص على نحو عام، فضلاً عن أثر الجانبين البيئي والنفسي للشاعر، واللذين يكونان ثقافة الشاعر وهو الأمر الذي يشكل الأطار الشعري لديه والذي يتلازم مع موهبته الشعرية.
وتفاوتت مواقف النقاد القدامى بشأن التكلف، غير ان النقاد المتأخرين منهم لم يجدوا في الشعر المصنوع (المتكلف) عيباً يخل بشاعرية الشاعر، أذ يرون ضرورة التنقيح والتهذيب([3]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الشعر والشعراء، 1/78.
([2])[COLOR=darkred] ينظر: م.ن 1/[/COLOR]88
([3]) من الذين وقفوا ضد التكلف، الأصمعي، ينظر العمدة 1/197-198، وقدامةبن جعفر، ينظر نقد الشعر، ص172، وعبد القاهر الجرجاني، ينظر اسرار البلاغةص120-121، ومن المعتدلين في موقفهم ضد التكلف، الجاحظ، ينظر البيان والتبيين، 2/9،وابن قتيبة، ينظر الشعر والشعراء 1/94، وابن منقذ، ينظر البديع في نقد الشعر ص295،وابن رشيق القيرواني، ينظر العمدة 1/129، وابن سنان الخفاجي، ينظر سر الفصاحةص275، وحازم القرطاجي، وينظر منهاج البلغاء وسراج الادباء ص26، ينظر: تحريرالتحبير، ابن ابي الأصبع المصري، ص26.
ن
29-07-2012 | 10:09 PM
فأبو هلال العسكري (ت395هـ) يعرف التكلف بأنه "طلب الشيء بصعوبة للجهل بطرائق طلبه بسهولة([1])، فالكلام اذا جمع وطلب بتعب وجهد وتنوعت الفاظه من بعد فهو متكلف ولم تقف مسألة الطبع والتكلف عندهؤلاء النقاد فكان لبعض المتأخرين منهم نصيب فيها، وابن خلدون (ت 808هـ) - فيمايظهر- لم يستسغ خلافهم، فعبرّ عن رأيه في الكلام بقوله: "اعلم انهم اذا قالوا (الكلام المطبوع) فأنهم يعنون به الكلام الذي كملت طبعته وسجيته، من إفادة مدلوله،المقصود منه، لأنه عبارة وخطاب، وليس المقصود منه النطق فقط، بل المتكلم يقصد ان يفيد سامعه ما في ضميره افادة تامة ويدل به دلالة وثيقة"([2]). ويبدو ان المطبوع عنده يرتبط بقواعد معينة لا يمكن ان يتجرد منها إذ يقول: "ثم يتبع تراكيب الكلام في هذه السجية التي له بالأصالة، ضروب من التحسين والتزيين، بعد كمال الافادة وكأنها تعطيها رونق الفصاحة من الأسجاع والموازنة بين جمل الكلام، وتقسيمه بالاقسام المختلفة الاحكام والتوربة باللفظ المشترك من الخني من معانيه، والمطابقة بين المتضادات، ليقع التجانس بين الألفاظ والمعاني، فيحصل الكلام على رونق ولذة في الأسماع، وحلاوة وجمال، كلها زائدة على الفائدة"([3]). فالشعر المطبوع علىهذا له اصول تقترن بالفن والصياغة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1])الصناعتين، ص44.
([2]) المقدمة، ص545.
([3]) المقدمة، ص545.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1])الصناعتين، ص44.
([2]) المقدمة، ص545.
([3]) المقدمة، ص545.
ن
29-07-2012 | 10:17 PM
والحقيقة التي نرمي اليها: إذا كان الشعر مطبوعاً ارتجالياً في بدايته ، فلا يمكن ان يكون كذلك حينما يصبح فناً له أسسه وقواعده، ولا بد للشاعر من ان ينقح ويهذب عمله، ويسير على وفق القواعد الصحيحة للشعر، وهنا نصل الى جوهر الكلام، أذ لا بد لكل شعر شيء من الطبع وقليل من الصقل والتهذيب فلا يغلب احدهما على الاخر فيصبح الشعر مطبوعاً، اومتكلفاً فينال منه اصحاب الطبع او انصار الكلام، ونحن نسلم بصحة ما يقال عن اختلاف حظوظ الشعراء من الطبع واختلاف حالات الشاعر الواحد في ذلك بدليل قول الفرزدق" انا اشعر الناس عند الناس، وربما مرت عليّ ساعة ونزع ضرس، اهون عليّ من اناقول بيتاً واحداً"([1]). ولذا فلا بد من وجود صناعة لتهذيب الطباع بأضافة ما حسن وحذف ما غثّ ورذلّ ليستقيم الكلام ويحسن.
ويقف النقد الحديث امام الأخطل يبين الطبع والتكلف ليعلل طبعه وتكلفه اذ يجد الدكتور طه حسين ان الأخطل المتكلف هو الأخطل المنصرف عن نفسه فلايكاد يلتفت اليها، وانما هو يغني في فنه. وتكلفه هذا يكون عادة في دفاعه عن الجماعة او متقرباً من الولاة والخلفاء، فيظهر في شعره التأني بأختيار الألفاظ الجزلة والتجويد في المعنى([2]). ولم يأت طه حسين بشواهد ليدعم بها رأيه.
ونجد أن أغلب الأمويين الذين اتصل بهم الأخطل كانوا أصحاب دراية بفن الشعر، يقولونه ويروونه وينقدونه ويشجعون عليه. وقد شاءت له الظروف أن يبدأصلته بهم وهو غلام ناشئ لا يحسن غير الهجاء، وأن يكون يزيد وهو أول من اتصل به،شاعراً يقرض الشعر ويحسن التمييز بين جيده ورديئه. فلا عجب إذا اتجه بفنه منالبداية إلى تجويد مدائحه في هذا الأمير الشاعر ثم توالت صلاته بالبيت الأموي فرأىنفسه تجاه نخبة ممتازة من المثقفين، فيهم "الشاعر" و"الراوية" و"الناقد"، وليس فيهم من لم يتعلق بالشعر بسبب أو يأخذ منه بنصيب، فكان طبيعياً ان يواصل السير في طريق الصنعة، ويشتد اهتمامه بتهذيب ماينظمه في ظلهم من مدائح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) البيان والتبيين، 1/20.
([2]) ينظر: تاريخ الادب العربي، ص641.
ن
29-07-2012 | 10:23 PM
خاتمة المبحث الأول:
لقد تمكنت في نفس الأخطل هذه النزعة القوية إلى التهذيب والتحوير وقوة ذلك المنزع عنده ملكة الخيال والتفكير. فهو يُعنى بالألفاظ ويدقق في اختيار العبارات، ويتأنى فيعرض الصور، وخلد بضع قصائد طوال جياد، تفوق بها على أقرانه، لما امتاز به من عبودية للشعر، واهتمام بالنقد الذاتي الواعي، وتنقيح وتحكيك، وإنتاج لما عُرف بالحوليات. وقد كان لهذه العبودية الفنية بعض الأثر الايجابي في ذوقه النقدي، هيأه لتقييم بعض اشعار من تقدّمه ومن عاصره وخلد له قولة مشهورة، تجرد النقد الادبي من الخضوع للعصبية الدينية.
ن
29-07-2012 | 10:31 PM
المبحث الثاني
المآخذ النحوية واللغوية
عرفنا ان الأخطل واحد من الفحول الذين مثلوا الطبقة الاولى من الأسلاميين وفي بحثنا هذا وجدنا انه من الشعراء الذين قلت مآخذ النقاد عليهم في العصر الذي أرسيت فيه أسس العربية وقواعدها وعلومها وهو ما أقر به اكثر أهل اللغة حول تمكن شاعرنا من الشعر وسعة باعه فيه ، ويعللون ذلك بما يملكه من موهبة فذة ، وتمرس ودراسة وتمرين على نهج القدماء مثل زهير بن أبي سُلمى مما ساعده على الأحاطة باللغة والتجرد فيها. إلا ان اعجابه بشعره واحاطته باللغة لم يمنع مآخذ رجال اللغةعلى ما شذ من كلماته وعدّهم اياها عيباً ينبغي تجنبه وان كانت تلك العيوب قليلة لاتنال من منزلته وشأنه.
ونعرض هنا ما استوقف على اللغة من شعره موضحين اراءهم والأسس التي استندوا اليها في اقوالهم، من ذلك قولهم في قوله :
أبنِي كليبٍ إنَّ عمَّيَّ اللّذا ***** قتَلا المُلوك وفكّكا الاغلالا([1])
فقد علق النقاد على قوله اللذا انها لغة حارثية يحذف فيها نون اللذان، وهي لغة من اللغات الشاذة التي لايقاس عليها وان الحذف انما حدث هنا للضرورة([2])، ويعلل النقاد القدماء عدم استخدام الأخطل للغة قومه الا في موضع واحد على الرغم من اعتزازه الشديد بقومه الى " ان لغة قريش هي لغة الادب منذ الجاهلية ولا يحسّ الشعراء في ذلك حرجاً لتقارب اللغات"([3]).
وقد حفل شعر الأخطل بلون آخر من ألوان الخطأ الذي يمس اشكال الصيغ الشعرية مثل عدم تخفيف الفعل الذي على وزن (فَعَل) نحو ضَرَبَ بتسكين وسطه، والنحاه لا يستثقلون الفتحة الا ان الأخطل استثقلها بقوله :
وما كلّ مغبون ولو سَلْفَ صَفْقُهُ ***** براجِع ماقد فاتهُ برِدادِ([4])
ونجد ان تسكين لام (سَلْفَ) والاصل فيها الفتح حدث للضرورة الشعرية، والتي عدّها النقاد مسوغاً في الاعتذار عن خطأ الشعراء.
وقال ابن عصفور عن هذا البيت انما هو (مبالغة في الخفيف)([5]). وعدّ ايضاً من الشواذ.
أما في موضوع (الأسم الذي لا ينصرف) فيشير ابن عقيل (ت 769هـ) الى ان الضرورة الشعرية هيالتي تجوز للشاعر صرف ما لا ينصرف([6]) كما في قول الأخطل:
طلب الازارق بالكتائب إذ هوتْ ***** بشبيب غائلة النفوس غدورُ([7])
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1])شعر الأخطل 2/44.
([2]) ينظر: الكتاب سيبويه 1/186، ينظر: الكافية في النحو، ابن الحاجب،2/203، وينظر: اوضح المسالك على الفية ابن مالك، طه 1/99، ينظر: ظاهرة الشذوذ فيالنحو العربي، ص508، ينظر: دقائق التصريف، 296، 543 لسان العرب 2/349.
([3]) ينظر: تاريخ الادب العربي العصر الجاهلي، د. شوقي ضيف 131-137.
([4]) ينظر: ادب الكاتب، ابن قتيبة، 432-433، ينظر الخصائص، ابن جني2/338.
شرح ديوان الأخطل ص528 تحقيق ايليا الحاوي.
([5]) ضرائر الشعر، 84.
([6]) ينظر: شرح ابن عقيل 2/266-267، وينظر: ضرائر الشعر 104-105، ينظر:الضرورة الشعرية، محمد ابراهيم، 42.
([7]) شعر الأخطل 2/76، شرح ديوان الأخطل ص197 (الازارق: فرقة منالخوارج.. شبيب: احد زعماء الخوارج خرج على عبد الملك، مات غرقاً)..
ن
29-07-2012 | 10:38 PM
فترك صرف ( شبيب ) وهو منصرف ، وسيبويه جوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام المنثور بقول "... اعلم انه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف يشبهونه بما لا ينصرف لأنها اسماء، وحذف مالا يحذف يشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفاً..."([1]).
وان اهمية فكرة سيبويه في (الضرورة الشعرية) هو انه لا يفسر الظاهرة الشعرية بشيء خارج منها، بل ببينة على ما هناك من تجاذب بين الكلمات والتعبيرات وهذا هو اساس فكرة المضارعة والجمل عنده ([2]).
واشار النحاة الى ان هناك اسماء ترخم في غير النداء. وقد يتم حذف اكثر من حرف من آخر الكلمة على غير مذهب ترخيم الاسم، وهذا ما ذهب اليه الأخطل في استخدامه كلمة (مناها) مرخمة وهي ليست للنداء بقوله([3]):
ويعنيبها (منازلها) والذي دفع الشاعر الى مثل هذا الاستخدام هو الضرورة الشعرية، او انهاراد (بمناها) قصدها وفي هذه الحال لا يكون هناك ايّ حذف يذكر.
وقد لفتت الفاظ أخرى نظر نقادنا لغرابتها وندرتها، منها ما جاء في قول الأخطل في وصف ذئب:-
فلفظة ( تينان) انفرد بهاشاعرنا في وصف الذئب ولم تسمع من شاعر آخر([5]).
ولقد حمل بعض علماء اللغة ابياتاً من الشعراء على القلب([6])، وحملها آخرون علىوجوه يصح الكلام عليها لفظاً ومعنى ومن تلك الابيات قول الأخطل:
ذهب الحاتمي الى وجود قلب في هذا البيت وهو من باب اتساع العرب بأن تجعل الفاعل مفعولاً والمفعول فاعلاً في اللفظ([7]).
أما ابن عقيل فيجد انه قد ينصب الفاعل ويرفع المفعول به اذا أمن اللبس واننا لا نجد في البيت أي قلب والقول عندنا ما قاله ابن عقيل([8]).
ويرى عبد القادر البغدادي في قول الأخطل انه حذف للضمير بعد انّ:
كما يجمع النحاة على ان حذف الضمير اذا كان في محل نصب ضعيف، وعُدّ هذا الحذف لأجل الضرورة الشعرية، لأنه لا يصح عدّ (من) اسم (إنّ) لأن (من) لها الصدارة ولا يجوز ان يعملبها ما قبلها فقدروا لهذا الامر ضمير شأن لتعمل فيه (انه من يدخل) وان اسماء الشرطلا يدخلها شيء من نواسخ الابتداء الا في الضرورة.
من كل ما تقدم نصل الى حقيقة فن الأخطل، وهو وإن اخفق احياناً في بعض اشعاره إلا ان غلط قليل جداً بالنسبة لشعره وحتى بالنسبة لغيره من شعراء عصرهودليل ذلك اقوال النقاد الذين يؤكدون، ندرة وجود مطعن او عيب في شعر الأخطل، فقد كان محسناً باختياره الألفاظ المناسبة للمعاني التي يقصدها. ومن هذه الشهادات التيشُهد له بها قول ابي عبيدة في ان ( شعراء الاسلام الأخطل ثم جرير ثم الفرزدق ) والأخطل اشبه بالجاهلية وأشدهم أسراً واقلهم سقطاً"([10]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) المزيد من التفاصيل ينظر الكتاب 1/8-13.
([2]) لمزيد من التفاصيل ينظر الضرورة الشعرية، 11-28.
([3]) ينظر: الخصائص، ابن جني، 1/81، ضرائر الشعر، 142، لسان العرب (نزل11/658) (منى 15/92) (شرح ديوان الأخطل ص115 أمست مناها... الخ) ومعناها ما تتمنىوهنا إدراكها...
([4]) شعر الأخطل 2/187، وينظر:شرح ديوان الأخطل ص286، يعتفنه: يصددن عنه، دمنته: موضع الماء، مكتسب: طالب رزقهفي الصيد.
([5]) ينظر: التنبيه على حدوث التصحيف، حمزة الاصفهاني، 170، ينظر اللسانبين 13/76 وينظر: النقد اللغوي، نعمة رحيم العزاوي، 344.
([6]) وهو ان يضطره الوزن الى احالة المعنى وقلبه لخلاف ما قصده. ويعدهالمرزباني من عيوب الشعر الموشح 180، ينظر نقد الشعر، 217.
([7]) ينظر: حلية المحاضرة، 2/13-14- شرح ديوان الأخطل ص178.
([8]) ينظر: شرح ابن عقيل، 1/392.
([9])البيت للأخطل لم أعثر عليه في ديوانه، وان قوله "انّ الذي يدخل الكنيسة يشاهد فيها صغاراً اشباه الجآذر (وهو ولد البثرة)، ونساء أشباه الظباء وهي الغزلان،استعار عن الصبيان بالجآذر، وعن النساء بالظباء) وينظر: البيت في الخزانة للبغدادي1/219، 2/463، وينظر: مغني اللبيب 1/84، وينظر: المقرّب، ابن عصفور 1/109.
([10]) طبقات فحول الشعراء، ابن اسلام 2/155، الاغاني 8/292، شعراء النصرانية بعد الاسلام، لويس شيخو، 175.
وان اهمية فكرة سيبويه في (الضرورة الشعرية) هو انه لا يفسر الظاهرة الشعرية بشيء خارج منها، بل ببينة على ما هناك من تجاذب بين الكلمات والتعبيرات وهذا هو اساس فكرة المضارعة والجمل عنده ([2]).
واشار النحاة الى ان هناك اسماء ترخم في غير النداء. وقد يتم حذف اكثر من حرف من آخر الكلمة على غير مذهب ترخيم الاسم، وهذا ما ذهب اليه الأخطل في استخدامه كلمة (مناها) مرخمة وهي ليست للنداء بقوله([3]):
كانت مُناها بأرض ما تبلغها ***** بصاحب الهمّ الا لناقةُ الأُجدُ
ويعنيبها (منازلها) والذي دفع الشاعر الى مثل هذا الاستخدام هو الضرورة الشعرية، او انهاراد (بمناها) قصدها وفي هذه الحال لا يكون هناك ايّ حذف يذكر.
وقد لفتت الفاظ أخرى نظر نقادنا لغرابتها وندرتها، منها ما جاء في قول الأخطل في وصف ذئب:-
يَعْتفْنَه عند تينانٍ بدمنته ***** بادي العواءُ ضئيل الشخص مُكتسبِ([4])
فلفظة ( تينان) انفرد بهاشاعرنا في وصف الذئب ولم تسمع من شاعر آخر([5]).
ولقد حمل بعض علماء اللغة ابياتاً من الشعراء على القلب([6])، وحملها آخرون علىوجوه يصح الكلام عليها لفظاً ومعنى ومن تلك الابيات قول الأخطل:
مثلُ القنافذ هدّاجون قد بلغت ***** نجران أو بلغت سوآتهم هجرُ
ذهب الحاتمي الى وجود قلب في هذا البيت وهو من باب اتساع العرب بأن تجعل الفاعل مفعولاً والمفعول فاعلاً في اللفظ([7]).
أما ابن عقيل فيجد انه قد ينصب الفاعل ويرفع المفعول به اذا أمن اللبس واننا لا نجد في البيت أي قلب والقول عندنا ما قاله ابن عقيل([8]).
ويرى عبد القادر البغدادي في قول الأخطل انه حذف للضمير بعد انّ:
إنّ من يدخل الكنيسة يوماً ***** يلق فيها جآذراً وظباء([9])
كما يجمع النحاة على ان حذف الضمير اذا كان في محل نصب ضعيف، وعُدّ هذا الحذف لأجل الضرورة الشعرية، لأنه لا يصح عدّ (من) اسم (إنّ) لأن (من) لها الصدارة ولا يجوز ان يعملبها ما قبلها فقدروا لهذا الامر ضمير شأن لتعمل فيه (انه من يدخل) وان اسماء الشرطلا يدخلها شيء من نواسخ الابتداء الا في الضرورة.
من كل ما تقدم نصل الى حقيقة فن الأخطل، وهو وإن اخفق احياناً في بعض اشعاره إلا ان غلط قليل جداً بالنسبة لشعره وحتى بالنسبة لغيره من شعراء عصرهودليل ذلك اقوال النقاد الذين يؤكدون، ندرة وجود مطعن او عيب في شعر الأخطل، فقد كان محسناً باختياره الألفاظ المناسبة للمعاني التي يقصدها. ومن هذه الشهادات التيشُهد له بها قول ابي عبيدة في ان ( شعراء الاسلام الأخطل ثم جرير ثم الفرزدق ) والأخطل اشبه بالجاهلية وأشدهم أسراً واقلهم سقطاً"([10]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) المزيد من التفاصيل ينظر الكتاب 1/8-13.
([2]) لمزيد من التفاصيل ينظر الضرورة الشعرية، 11-28.
([3]) ينظر: الخصائص، ابن جني، 1/81، ضرائر الشعر، 142، لسان العرب (نزل11/658) (منى 15/92) (شرح ديوان الأخطل ص115 أمست مناها... الخ) ومعناها ما تتمنىوهنا إدراكها...
([4]) شعر الأخطل 2/187، وينظر:شرح ديوان الأخطل ص286، يعتفنه: يصددن عنه، دمنته: موضع الماء، مكتسب: طالب رزقهفي الصيد.
([5]) ينظر: التنبيه على حدوث التصحيف، حمزة الاصفهاني، 170، ينظر اللسانبين 13/76 وينظر: النقد اللغوي، نعمة رحيم العزاوي، 344.
([6]) وهو ان يضطره الوزن الى احالة المعنى وقلبه لخلاف ما قصده. ويعدهالمرزباني من عيوب الشعر الموشح 180، ينظر نقد الشعر، 217.
([7]) ينظر: حلية المحاضرة، 2/13-14- شرح ديوان الأخطل ص178.
([8]) ينظر: شرح ابن عقيل، 1/392.
([9])البيت للأخطل لم أعثر عليه في ديوانه، وان قوله "انّ الذي يدخل الكنيسة يشاهد فيها صغاراً اشباه الجآذر (وهو ولد البثرة)، ونساء أشباه الظباء وهي الغزلان،استعار عن الصبيان بالجآذر، وعن النساء بالظباء) وينظر: البيت في الخزانة للبغدادي1/219، 2/463، وينظر: مغني اللبيب 1/84، وينظر: المقرّب، ابن عصفور 1/109.
([10]) طبقات فحول الشعراء، ابن اسلام 2/155، الاغاني 8/292، شعراء النصرانية بعد الاسلام، لويس شيخو، 175.
ن
29-07-2012 | 10:49 PM
خاتمة المبحث الثاني:
إنما ذكرناه ، من عبودية الأخطل للشعر، واعتماده النقد الذاتي للتنقيح والتحكيك ، واشتهاره بالروية والتأني في انتاج الحوليات، لم يمنع سقوطه أحياناً دون ما تقتضيه تلك السمات الفنية الرفيعة ، فكان ان أخذ عليه العلماء قصوره في بعض اشعاره - ولاعجب في هذا، فقد عيب على حذاق الشعراء، كالنابغة وزهير والأعشى وجرير، اشياء كثيرة.
ومهما يكن فإن بعض ماعيب عليه صحيح ، يدل على قصوره في التفكير أو التعبير أو التصوير. وليس هذا مما يحط من قيمة الأخطل الفنية.
ن
29-07-2012 | 10:59 PM
المبحث الثالث
الظواهر البلاغية
الظواهر البلاغية
عُني البلاغيون القدماء بتتبع الظواهر البلاغية عند الشعراء، ليجعلوا منها أمثلة وشواهد تؤكد اقوالهم وتدعم آراءهم، وكان الأخطل من بين اولئك الشعراء الذين تابع البلاغيون القدماء تلك الصور البلاغية في اشعارهم للكشفِ عما فيها من مسائل بلاغية وفنية تستحق النظر و التمعن.
ولأسباب تتعلق بمنهجية البحث العلمي قسّمت، تلك الفنون البلاغية على ثلاثة أقسام على وفق تقسيم المتأخرين لها([1])، وهي علم المعاني والبيان والبديع لإيضاح الفنون البلاغية التي تناولها الأخطل في كلّ علم من تلكالعلوم.
و (علم المعاني) الذي يُعنى بأساليب الكلام عند العرب، قد عرفه السكاكي (ت 626هـ) بقوله: هو تتبع خواص تراكيب الكلام في الأفادة، وما يتصل بها منالاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها من الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره"([2]) ويضم هذا العلم ضروباً متنوعة، ومن ضروبه التي ولجها الأخطل ميله الى الايجاز في أهاجيه وهو من ضروب علم المعاني ويكون فيه المعنى زائداً على اللفظ او اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة يأتي على وجه الأشارة واللمحة ولا يأتي بهذا الضرب الا المبرز الحاذق([3]) ، ومما اوجز فيه الأخطل قوله([4]):
قوم اذا استنبح الأضياف كلبهم ***** قالوا لأمهم: بولي على النار
فقد اعطى الشاعر في هذا البيت صورة مكثفة وموجزة تحتمل معاني كثيرة ويرى العلوي (ت 745هـ) ان "تأليف هذا البيت مشتمل على نهاية الهجاء حتى لا تكاد لفظة من الفاظه الاولها حظ في الذم والنقص"([5]). إذ انه نسبهم إلى البخل بوقود النار لئلا يهتدي بها الضيفان، ثم البخل بإيقادها إلى السائرين والسابلة، وأخبر عن قلتها، إذ ان مايطفئها هو البولة. ووصفهم بامتهان أمهم وابتذالها في مثل هذا الحال، يدلّ بذلك على العقوق والاستخفاف، وعلى أن لا خادم له.
وعلق الأصمعي على أن هذا البيت اهجى بيت قالته العرب([6]).
ومما أوجز فيه ايضاً قوله([7]):
شمس العداوة حتى يستقاد لهم***** وأعظم الناس أحلاماً اذا قدروا
فنرى انه تمكن في البيت الواحد من جمع افضل ما يفخر به قوم، ويمدح به شاعر ويوصف هذا البيت بأنه الأعلى مرتبة في ما مدح به الشعراء.
ولقد ظهر للدراسة ان هناك ابياتاً كثيرة في هذا الضرب قد تجاهلهاالنقاد او تغافلوا عنها لأنهم غير مسؤولين عن ايراد كل ما جاء به الشاعر في الضربالواحد ومن هذه الأبيات قول الأخطل([8]):
حشد على الحق، عيافو الخنا، أنف ***** إذا ألمت بهم مكروهة صبروا
حيث نرىان شاعرنا تمكن من أن يُراكم الصفات التي تعد ارقى ما يتحلى به العربي، بأيجازودقة جامعاً في البيت الواحد بين الدفاع عن الحق والبعد عن الفحشاء والأنفة منهاوالصبر على المكاره والملمات.
ولقد كان الايجاز عند النقاد القدامى ميزاناً للمفاضلة بين الشعراء فالشاعر الذي يأتي بمعنيين في بيت واحد افضل من الشاعر الذي يأتي بمعنى واحد لأنه اشارة واضحة على حسن اختياره لمعانيه والفاظه وبراعته في ايصال افكاره الى سامعيه لكنهم نظروا الى الأطناب كذلك إذا احسن كحسن الايجاز في موقعه لهذا مدحو الأطالة كما مدحوا الايجاز وعدوها ضرباً من ضروب المعاني([9]).
ولقد اهتم البلاغيون بالأطناب وعرفوه على انه زيادة اللفظ على المعنى لفائدة([10]).
وللأطناب أجناس متعددة، منها (التكرار) وهو: من الأساليب التي عرفتها العرب منذ القدم، وقد يكون حرفياً، أو لفظياً، أو جملياً ومن أمثلة تكرار الأخطل[11])
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) يعد السكاكي واضعاً لهذا التقسيم بهذا الشكل لأغراض تعليمية منهجية تعين الدارس على الفهم والحفظ. ينظر: مفتاح العلوم، السكاكي: 3.
([2]) مفتاح العلوم، 341.
([3]) ينظر: معاهد التنصيص على شواهد التلخيص، 1/332.
([4]) شعر الأخطل 2/225 وشرح ديوان الأخطل ص37، وينظر: كتاب الصناعتين 441 وديوان المعاني 1/175.
([5]) الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الايجاز، 2/226.
([6]) ينظر: حلية المحاضرة 15/37.
([7]) شعر الأخطل 1/201 وشرح ديوان الأخطل ص171 وينظر: ديوان المعاني1/62.
([8]) شعر الأخطل 1/201 (الخنا: الفحشاء، أنُفٌ: يأنفون الفحشاء، شرحديوان الأخطل ص171 (انهم يحشدون حشودهم دفاعاً عن الحق، لا يطيقون الفحشاء بليأنفون عنها، واذا نزلت بهم مصيبة صبروا عليها ولم يتضجروا).
([9]) ينظر: البيان والتبيين، الجاحظ، 1/155.
([10]) تلخيص المفتاح، التلخيص في علوم البلاغة، 221-223.
([11]) شعر الأخطل، 1/23، يقول: ترى الشخص الصغير فيها كبيراً. العرمس: الناقة الصلبة، الوجناء: الغليظة الشديدة.
ن
29-07-2012 | 11:25 PM
تَرى الثّعلب الحوليَّ فيها، كأنَّهُ ***** تَرى العِرْمس الوَجناء، يضربُ حاذَها
إذا ماعلا نشزاً، حصانٌ مجلَّلُ ***** ضئيل كفرّوج الدّجاجةِ مُعْجلُ
إذا ماعلا نشزاً، حصانٌ مجلَّلُ ***** ضئيل كفرّوج الدّجاجةِ مُعْجلُ
وتكرار و (اذا) في قوله([1]):
واذا وعدنك نائلاً اخلفنهُ ***** ووجدت عند عداتهنّ مطالا
واذا دعونك عمهن فإنه ***** نسب يزيدك عندهنّ خبالا
واذا وزنت حُلومهنَّ الى الصّبا ***** رجح الصّبا بحلومهن فمالا
واذا دعونك عمهن فإنه ***** نسب يزيدك عندهنّ خبالا
واذا وزنت حُلومهنَّ الى الصّبا ***** رجح الصّبا بحلومهن فمالا
فقد عمد الشاعر الى هذا التكرار، ويبدو أنّ اغلب النقاد لا يعتدون بالتكرار، لأنه يذهب-على حد قولهم- بشطر من الفصاحة والبلاغة، بتكثيف الترديد حين يضغط على الفاظ معينة محاولا نقل تجربته العاطفية من غير الافصاح مباشرة عن عواطفه والتكرار كثير في شعر الأخطل.
والتتميم: وهو الذي يرد على المعنى الناقص فيتمه([2]). ومن هذا التتميم قول الأخطل([3]):
اناخوا فجروا شاصيات كأنها ***** رجال من السودان لم يتسربلوا
فقد رأى العسكري في قول الشاعر ( لم يتسربلوا ) تتميماً حسناً والبيت من أحسن ما قيل في الزقاق([4]). حيث يشبهها هنا وهي ممتلئة بالخمر بالسودان العُراة لسوادها..
وهناك تتميم وقع للأخطل في الهجاء في قوله([5]):
قد أقسم المجد حقاً لا يحالفهم ***** حتى يحالف بطن الراحة الشعر
وذكر على ان ايراد الشاعر لكلمة (حقاً) ليست من الحشو الذي تُسد به الأبيات لأقامة الوزن انما هي مؤكدة لصدق القسم([6]).
ويرى ابن رشيق انه، يكره للشاعر قوله في شعره (حقاً) الا ان الأخطل اوقع هذه الكلمة في موقعها مما زاد المعنى حسناً وتوكيداً ظاهراً([7]).
اما (علم البيان) فمدلوله وغايته عند الجاحظ: كشف قناع المعنىوالأيضاح والفهم، والافهام وهو يحتاج الى تمييز وسياسة مع تمام الآلة، واحكام الصنعة وسهولة المخرج ، وجهارة المنطق، وتكميل الحروف، واقامة الوزن([8]) وقد عرفه السكاكي بقوله: "هو معرفة ايراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه، وبالنقصان ليحترز بالوقوف على ذلك من الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه"([9]).
ولهذا العلم مباحث متنوعة، منها (التشبيه) والذي يُعد أهم فن منفنونه ويعني الدلالة على مشاركة الأمرين في فكرة ما([10]).
وقد تناول اللغويون([11]) والبلاغيون بأهتمام كبير، وهو صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة او جهات كثيرة لا من جميع جهاته لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان اياه”([12]). أو "هو مستدع طرفين (مشبها) و (مشبها به)، واشتراكاً بينهما من وجه، وافتراقاً من آخر”([13]). وقد أبدع الأخطلفي هذا الفن وفي رسم تلك الصور التي استمدها من ذلك الواقع الذي عاشه جاهداً في استخدام تلك الثروة اللغوية التي بدت مطبوعة، فقد استعان بهذا الفن في رسم لوحات فنية تروق وتعجب بما فيها من ملامح قصصية تدنيها الى النفوس، وتجسم صورها في القلوب([14]).
ففي وصف زقاق الخمر يقول([15]):
اناخوا فجروا شاصيات كأنها ***** رجالٌ من السودان لم يتسربلوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) م.ن 1/107، شرح ديوان الأخطل ص386.
([2]) ينظر: تحرير التجبير، ابن ابي الاصبع المصري، ص362.
([3]) شعر الأخطل 1/16- شرح ديوان الأخطل، ص261. [النص في الهجاء،الشاصيات: اصلها الشائلات القوائم وعُني بها الزقاق لأنها اذا امتلئت ارتفع جانباها.المعنى/ يشّبه الزقاق (وهي زقاق الخمر في هذا البيت بالسودان العُراة لسوادها، إذكانوا يطلونها بالقار الأسود والتشبيه حسي لاستكمال المشهد].
([4]) ينظر: ديوان المعاني، 1/213.
([5]) شعر الأخطل: 1/211.
([6]) ينظر: تحرير التجبير، ص288.
([7]) ينظر: العمدة 2/71، وحلية المحاضرة، الحاتمي، 1/191.
([8]) ينظر: البيان والتبيين، 1/76 وما بعدها.
([9]) مفتاح العلوم، 342.
([10]) ينظر: تلخيص المفتاح، التلخيص في علوم البلاغة: 238.
([11]) لعل المبرد من اقدم اللغويين الذين قالوا: "ان للتشبيه حداً،لأن الاشياء تتشابه من وجوه، وتتباين من وجوه، وانما ينظر للتشبيه من اينوقع". الكامل 3/520.
([12]) العمدة 1/286.
([13]) مفتاح العلوم، 558.
([14]) ينظر: الأخطل شاعر بني امية، د. السد مصطفى غازي، ص159.
([15]) شعر الأخطل 1/16.
ن
29-07-2012 | 11:45 PM
يقول ابن الشجري في اجادته : انه من التشبيه العجيب([1])، اما ابن ابي عون فقد عدّ هذا النوع من التشبيهات من استثناء شيء أو نقصان شيء([2]).
واورد للأخطل ما احسن به من تشبيه في فناء الناس([3]) بقوله([4]):
ومن مباحث البيان ايضاً (الاستعارة) وقد عرفها الجاحظ فقال الاستعارة) تسمية الشيء بأسم غيره اذا قام مقامه"([5]). او هي "ان تذكر احد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر، مدعياً دخول المشبه في جنس المشبه به ، دالاً على ذلك بأثباتك للمشبه ما يخص المشبه به"([6]). وبهذا تعدا لاستعارة ركناً مهماً من اركان المجاز اذا خرجت من معناها الحقيقي الى معنىً آخر لأنها تزيد الكلام نبلاً وتكسب الفاظه فوائد كثيرة، فكلما ابتعدت عن المألوف المبتذل كانت مؤثرة([7]) وفاعلة في نفس السامع فعل السحر لذلك وجودها دليل على سلامة الذوق والحس اللغوي المرهف والاستعمال العربي الأصيل([8]).
ونلاحظ ان الأخطل يجسد الصورة بالأستعارة ويعرضها عرضاً رائعاً دقيقاً وذلك عندما مثل دبيب الخمرة في العظام بدبيب الرمل المنهار بقوله([9]):
ومن استعاراته ايضاً قوله([10]):
فالحرب لا تشمر عن ساعدها، وانما استعار لها بعض صفات الأنسان على سبيل الاستعارة المكنية.
ولشعر الأخطل حظ وافر من هذه الاستعارات الا أنه يبدو قد أخفق في بعضها واجاد في بعضها الآخر، ومما أُخذ عليه من ذلك قوله لنابغة بني جعدة([11]):
انما عيره بالكبر، وهو شاب حديث السن وقد ذكر ابن رشيق في شرح النص انه في رأي بعض الرواة يمثل تهاجياً بين الشاعرين في مسابقة فرسين ثم يقول وهو غلط عند الحذاق([12]).
اما ابو هلال العسكري فقد ذكر للأخطل مثالاً يورد فيه ما جاء به من سوء الاستعارة وقد عدّه مما تنبو عنه النفوس قوله:
وقال : "وليس لحسن الاستعارة، وسوء الأستعارة مثالٌ يعتمد ، وانما يعتبر ذلك بما تتقبله النفس او ترده، وتعلق به أو تنبو عنه"([14]) ولعل قول الأخطل السابق مما تنبو عنه النفس. وعلى الرغم من كل هذا فقد أُعجب العسكري ببعض استعارات الأخطل التي وجد فيها استعارات جميلة، فأودعها كتابه مثنياً عليها من ذلك قوله([15]):-
وقوله([16]):
ومن البيان ايضاً (الكناية) وهي (ان يريد المتكلم اثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظالموضوع في اللغة ولكن يجيء الى معنى هو تاليه وردفه في الوجود، فيومي به اليه، ويجعله دليلاً عليه”([17])، وقد جعل اسامة بن منقذ هذا الباب فروقاً بينها وبين الاشارة. إذ جعل الاشارة دليلاً على الشيء الحسن والكناية للشيء السيء او كناية عن كل شيء قبيح([18]).
وقد عرّف المتأخرون الكناية بقولهم: "ان تطلق اللفظ وتريدلا زمة معناه مع قرينة لا تمنع من ارادة المعنى الأصلي"([19]). وقد تكون الكنايةعن صفة او موصوف او نسبة. ومن كنايات الأخطل قوله([20]):
اراد الكناية عن الشرف والرفعة ([21]) والسيادة :-
ومن كناياته التي تُعد منحسن الكناية قوله([22]):
كناية عن انقطاعهم وانصرافهم كلياً الى الحرب لا تشغلهم النساء ومغريات الحياة عنها وعلقعلى هذا القول بأنه على حسنه من فضول القول الا أنه لو سكت عنه لحاز الفضيلة ([23]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الحماسة الشجرية، 2/836-837.
([2]) ينظر: التشبيهات، 307.
([3]) ينظر: م.ن، 218.
([4]) شعر الأخطل 2/99-100.
([5]) البيان والتبيين، 1/153.
([6]) مفتاح العلوم، 599.
([7]) ينظر: الصناعتين، 298، واسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، 33.
([8]) ينظر: البلاغة والتطبيق، د. احمد مطلوب، 361.
([9]) شعر الأخطل 1/19، شرح ديوان الأخطل ص262 (تدب دبيباً.. الخ).
([10]) م.ن.
([11]) م.ن 2/192. ابو ليلى: كنية النابغة الجعدي. القحم: الفرس الكبيرالسن. المنتكث: المنتكس، المخذول، جاري: سابق، المعنى: إن النابغة عزم علىالمجاراة والمفاصلة في ميدان الشجاعة وشرف الأصل، فامتطى من ذلك فرساً هرماًمسناً، مخذول العدو منتكساً لا قبل له به ولا قدرة له عليه.
([12]) ينظر: العمدة، 1/278، الخبار: الارض ذات الحفر، الجران: باطن الفتق، الجحافل: جمع جحفل وهو للبهائم كالشفة للإنسان.
([13]) لم اعثر على البيت في ديوانه وينظر كتاب الصناعتين 312.
([14]) كتاب الصناعتين 309.
([15]) شعر الأخطل: 2/5، كتاب الصناعتين ص294.
([16]) لم اعثر على البيت في ديوانه- الصناعتين ص295.
([17]) دلائل الاعجاز، عبد القاهر الجرجاني، 52.
([18]) ينظر: البديع في نقد الشعر، 99.
([19]) البلاغة الواضحة، 91.
([20]) شعر الأخطل، 1/29 (عين الماء: الشرف، لأن الماء غياث كل شيء) (النصفي المدح: يمتدحهم بشرفهم ويقول إنهم ينجون الخائف ويحولون عنه الذعر والهلاك) شرح ديوان الأخطل ص269.
([21]) رسالة النقائض، جعفر صادق، 66.
([22]) شعر الأخطل 2/120.
([23]) ينظر: الكناية والتعريض لأبي منصور الثعالبي، 10. وينظر: الكامل1/274.
واورد للأخطل ما احسن به من تشبيه في فناء الناس([3]) بقوله([4]):
ياقاتل الله وصل الغانيات اذا ***** اعرضن لما حنى قوس موتّرها
أيقنّ انك ممن قد وهى الكِبرُ***** وابيضّ بعد اسوداد اللمّة الشعرُ
ومن مباحث البيان ايضاً (الاستعارة) وقد عرفها الجاحظ فقال الاستعارة) تسمية الشيء بأسم غيره اذا قام مقامه"([5]). او هي "ان تذكر احد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر، مدعياً دخول المشبه في جنس المشبه به ، دالاً على ذلك بأثباتك للمشبه ما يخص المشبه به"([6]). وبهذا تعدا لاستعارة ركناً مهماً من اركان المجاز اذا خرجت من معناها الحقيقي الى معنىً آخر لأنها تزيد الكلام نبلاً وتكسب الفاظه فوائد كثيرة، فكلما ابتعدت عن المألوف المبتذل كانت مؤثرة([7]) وفاعلة في نفس السامع فعل السحر لذلك وجودها دليل على سلامة الذوق والحس اللغوي المرهف والاستعمال العربي الأصيل([8]).
ونلاحظ ان الأخطل يجسد الصورة بالأستعارة ويعرضها عرضاً رائعاً دقيقاً وذلك عندما مثل دبيب الخمرة في العظام بدبيب الرمل المنهار بقوله([9]):
فدبت دبيباً في العظام كأنه ***** دبيب نمالٍ في نقاً يتهيّلُ
ومن استعاراته ايضاً قوله([10]):
اني رأيتكم اذا ما شمرت ***** حرب ليوم كريهة تشميرا
فالحرب لا تشمر عن ساعدها، وانما استعار لها بعض صفات الأنسان على سبيل الاستعارة المكنية.
ولشعر الأخطل حظ وافر من هذه الاستعارات الا أنه يبدو قد أخفق في بعضها واجاد في بعضها الآخر، ومما أُخذ عليه من ذلك قوله لنابغة بني جعدة([11]):
لقد جَارى أبُو ليلى بقحمٍ ***** إذا خبط الخبار كبالفيهِ
ومُنتكثٍ عن التقريب وَانِ ***** وخرَّ على الجحافل والجِرّانِ
انما عيره بالكبر، وهو شاب حديث السن وقد ذكر ابن رشيق في شرح النص انه في رأي بعض الرواة يمثل تهاجياً بين الشاعرين في مسابقة فرسين ثم يقول وهو غلط عند الحذاق([12]).
اما ابو هلال العسكري فقد ذكر للأخطل مثالاً يورد فيه ما جاء به من سوء الاستعارة وقد عدّه مما تنبو عنه النفوس قوله:
إكسيرُ هذا الخلقُ يلقى واحدٌ ***** منه على ألفٍ فيكرم خيمهُ([13])
وقال : "وليس لحسن الاستعارة، وسوء الأستعارة مثالٌ يعتمد ، وانما يعتبر ذلك بما تتقبله النفس او ترده، وتعلق به أو تنبو عنه"([14]) ولعل قول الأخطل السابق مما تنبو عنه النفس. وعلى الرغم من كل هذا فقد أُعجب العسكري ببعض استعارات الأخطل التي وجد فيها استعارات جميلة، فأودعها كتابه مثنياً عليها من ذلك قوله([15]):-
وأهجرك هجراناً جميلاٍ وينتحي ***** لنا من ليالينا العوارم أولُ
وقوله([16]):
حتى اذا افتض ماء المزن عذرتها ***** راح الزجاج وفي الوانه صهبُ
ومن البيان ايضاً (الكناية) وهي (ان يريد المتكلم اثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظالموضوع في اللغة ولكن يجيء الى معنى هو تاليه وردفه في الوجود، فيومي به اليه، ويجعله دليلاً عليه”([17])، وقد جعل اسامة بن منقذ هذا الباب فروقاً بينها وبين الاشارة. إذ جعل الاشارة دليلاً على الشيء الحسن والكناية للشيء السيء او كناية عن كل شيء قبيح([18]).
وقد عرّف المتأخرون الكناية بقولهم: "ان تطلق اللفظ وتريدلا زمة معناه مع قرينة لا تمنع من ارادة المعنى الأصلي"([19]). وقد تكون الكنايةعن صفة او موصوف او نسبة. ومن كنايات الأخطل قوله([20]):
اولئك عينُ الماءِ منهم وعِنْدهُم ***** من الخِيفة المَنْجاة والمتحوّلُ
اراد الكناية عن الشرف والرفعة ([21]) والسيادة :-
ومن كناياته التي تُعد منحسن الكناية قوله([22]):
قوم اذا حاربوا شدوا مآزرهم ***** دون النساء ولو باتت بأطهار
كناية عن انقطاعهم وانصرافهم كلياً الى الحرب لا تشغلهم النساء ومغريات الحياة عنها وعلقعلى هذا القول بأنه على حسنه من فضول القول الا أنه لو سكت عنه لحاز الفضيلة ([23]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الحماسة الشجرية، 2/836-837.
([2]) ينظر: التشبيهات، 307.
([3]) ينظر: م.ن، 218.
([4]) شعر الأخطل 2/99-100.
([5]) البيان والتبيين، 1/153.
([6]) مفتاح العلوم، 599.
([7]) ينظر: الصناعتين، 298، واسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، 33.
([8]) ينظر: البلاغة والتطبيق، د. احمد مطلوب، 361.
([9]) شعر الأخطل 1/19، شرح ديوان الأخطل ص262 (تدب دبيباً.. الخ).
([10]) م.ن.
([11]) م.ن 2/192. ابو ليلى: كنية النابغة الجعدي. القحم: الفرس الكبيرالسن. المنتكث: المنتكس، المخذول، جاري: سابق، المعنى: إن النابغة عزم علىالمجاراة والمفاصلة في ميدان الشجاعة وشرف الأصل، فامتطى من ذلك فرساً هرماًمسناً، مخذول العدو منتكساً لا قبل له به ولا قدرة له عليه.
([12]) ينظر: العمدة، 1/278، الخبار: الارض ذات الحفر، الجران: باطن الفتق، الجحافل: جمع جحفل وهو للبهائم كالشفة للإنسان.
([13]) لم اعثر على البيت في ديوانه وينظر كتاب الصناعتين 312.
([14]) كتاب الصناعتين 309.
([15]) شعر الأخطل: 2/5، كتاب الصناعتين ص294.
([16]) لم اعثر على البيت في ديوانه- الصناعتين ص295.
([17]) دلائل الاعجاز، عبد القاهر الجرجاني، 52.
([18]) ينظر: البديع في نقد الشعر، 99.
([19]) البلاغة الواضحة، 91.
([20]) شعر الأخطل، 1/29 (عين الماء: الشرف، لأن الماء غياث كل شيء) (النصفي المدح: يمتدحهم بشرفهم ويقول إنهم ينجون الخائف ويحولون عنه الذعر والهلاك) شرح ديوان الأخطل ص269.
([21]) رسالة النقائض، جعفر صادق، 66.
([22]) شعر الأخطل 2/120.
([23]) ينظر: الكناية والتعريض لأبي منصور الثعالبي، 10. وينظر: الكامل1/274.
ن
30-07-2012 | 12:24 AM
و (التتبع) او كما يسميه بعضهم (التجاوز) من الاشارة ومن انواعها الكناية والتمثيل كما يقول ابن رشيق"وهو ان يريد الشاعر ذكر الشيء فيتجاوزه ، ويذكر ما يتبعه في الصفة وينوب عنه في الدلالة عليه”([1]).
ويتمثل ابن رشيق بقول الأخطل([2]):
ويقول في ذلك "ذكر أنهن ذوات تملك وشرف وحال"([3]).
ويذكر للأخطل مثالاً([4]) آخر على التتبع:
ففيه التتبع في ثلاثة مواضع وهي صفة الخد بالسهولة ، وصفة الخصر بالرقة والساق بالغلظ([5]).
أما (علم البديع) فهو ثالث علوم البلاغة، وتعرف به الوجوه والمزايا التي تزيد الكلام حسناً وطلاوة، وتكسوها بهاء ورونقاً، بعد مطابقته لمقتضى الحال([6])، ويدخل قسم من هذا العلم في المحسنات المعنوية([7])، والآخر في المحسنات اللفظية([8]).
أما المحسنات المعنوية: فمنها المطابقة وتسمى الطباق والتضاد وهي الجمع بين متضادين أي معينين متقابلين في الجملة([9]). مثل الجمع بين الحياة والموت، الوعد والاخلاف، التعري والتسربل وهما اضداد في الاصل وذلك على وفقما جاء في قول الأخطل([10]):
وقوله:-
وقوله:-
ويجد ابو هلال العسكري انهناك عيوباً في بعض طباقات الأخطل منها قوله([12]):
وعدّ هذا الكلام من غث الكلام وبارده.
ويعد علماء البديع (المبالغة) من المحسنات المعنوية وهي "انتثبت للشيء وصفاً من الاوصاف تقصد فيه الزيادة على غيره، أما على جهة الإمكان أوالتعذر، او الاستحالة"([13]).
ومن ذلك ما وجده الباحث جعفر صادق من مبالغات قليلة([14]) للأخطل منها([15]):
وقوله في المديح([16]):
وقوله في هجاء بني كليب([17]):
ولم يكتف الأخطل بتزيين شعره بمحسنات معنوية، فعمد للمحسنات اللفظية ايضاً من ذلك استخدامه( الجناس) وهو ان يكون اللفظ واحداً والمعنى مختلفاً وبعبارة العلوي (ت748هـ)"اتفاق اللفظين في وجه من الوجوه مع اختلاف معانيها”([18]) وقسم البلاغيون القدماء الجناس على جناس تام وذلك حين تتفق اللفظتان المتجانستان في نوع الحروف وعددها وترتيبها وهيئتها، وجناس غير تام حين تختلف اللفظتان في امر واحد من الأمور التي بنت الجناس التام([19]).
ومن جناس الأخطل التام([20]):
ومنها قول الأخطل([21]):
وهو ترديد بين عام وخاص([22]).
والاعتراض هو ان يأخذ الشاعر في معنى فيعرض له غيره فيعدل اليه قبل اتمامه ثم يعود الى الاول فيتمه من غير ان يخل في الثاني([23]) بشيء فيكون فيما عدل اليه مبالغة في الاول وزيادة في حسنه ومنه قول شاعرنا:
فقوله: (فلا تسبق) اعتراض لطيف مرضٍ([24]).
والتلميح هو نوع من التضمين، عدّ ضربا من البديع ايضاً الذي يعني ارسال المثل بل هو من لطائف البديع وهو ان يأتي الشاعر في بيت او بعضه بما يجري مجرى المثل السائر وقد عدّ الحاتمي([25]) قول الأخطل([26]):
وعلق عليه بقوله: اشرد مثل قيل في الحض على ادخار العمل الصالح.
وقال([27]):
فالأخطل لا يتورع عن ايراد الحكمة التي توضح المعنى وتقربه للقارئ. وحكمته تداولتها الألسن، نخلص كل ما عرضنا له أن تلك الابيات القليلة التي وجد فيها النقاد عيباً ومنهم ابن المعتز([28]) إنّ الناس هجّنوا شعر الأخطل وقدّموا عليه ، بثلاثة أبيات لم يصب فيها، وهو شاعر زمانه وسابق ميدانه،وهي تعظيم شأن زفر في هجائه، والإساءة إلى ممدوح في مديحه، ومهما يكن فإن بعض ماعيب عليه صحيح يدلّ على قصوره في التفكير أو التعبير أو التصوير. وليس هذا مما يحط من قيمة الاخطل الفنية، لانه بالنسبة إلى شعره الرفيع الممتاز يسير لايذكر وما كان هذا القليل النزر ليطغى على ماخلده من فحولة وابداع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) العمدة، 1/313.
([2]) لم أعثر على البيت في شعره.
([3]) العمدة، 1/314.
([4]) شعر الأخطل 10/179.
([5]) ينظر: العمدة 1/315، وكفاية الطالب في نقد كلام الشاعر والكاتب، ابنالأثير، 78.
([6]) ينظر: مفتاح العلوم، 660.
([7]) ينظر: م.ن، 660.
([8]) ينظر: مفتاح العلوم، 668.
([9]) ينظر: التلخيص في علوم البلاغة 348.
([10]) شعر الأخطل 1/15، شرح ديوان الأخطل ص260.
* م.ن 1/33.
** 1/107.
*** 1/21.
([11])ينظر رسالة النقائض، ص120.
([12]) ينظر: الصناعتين، 328، لم اعثر على البيت في شعر الأخطل.
([13]) الطراز 3/116.
([14]) ينظر: رسالة النقائض، 126.
([15]) شعر الأخطل 1/23.
([16]) م.ن، 1/203.
([17]) م.ن.
* 1/209، شرح ديوان الأخطل ص178 مع اختلاف الرواية.
** شعر الأخطل 1/211، شرح ديوان الأخطل، ص179.
([18]) الطراز، 2/351.
([19]) رسالة النقائض، 35.
([20]) شعر الأخطل 2/224، شرح ديوان الأخطل، ص369.
([21]) م.ن، 1/40، شرح ديوان الأخطل، ص182.
([22]) رسالة النقائض، 36.
([23]) كفاية الطالب، 150.
([24]) حلية المحاضرة، 1/357، لم اعثر على البيت في شعره.
([25]) حلية المحاضرة 1/302 وينظر التمثيل والمحاضرة، الثعالبي، 71.
([26]) شعر الأخطل 2/258.
([27]) م.ن1/203.
([28])الموشح، 309-310.
ويتمثل ابن رشيق بقول الأخطل([2]):
لا يصطلين دخان النار شاتيةً ***** الا بعود يلنجوح على فحمِ
ويقول في ذلك "ذكر أنهن ذوات تملك وشرف وحال"([3]).
ويذكر للأخطل مثالاً([4]) آخر على التتبع:
أسيلة مجرى الدمّع، أما وشاحها ***** فجارٍ، واما الحِجلُ منها فما بجري
ففيه التتبع في ثلاثة مواضع وهي صفة الخد بالسهولة ، وصفة الخصر بالرقة والساق بالغلظ([5]).
أما (علم البديع) فهو ثالث علوم البلاغة، وتعرف به الوجوه والمزايا التي تزيد الكلام حسناً وطلاوة، وتكسوها بهاء ورونقاً، بعد مطابقته لمقتضى الحال([6])، ويدخل قسم من هذا العلم في المحسنات المعنوية([7])، والآخر في المحسنات اللفظية([8]).
أما المحسنات المعنوية: فمنها المطابقة وتسمى الطباق والتضاد وهي الجمع بين متضادين أي معينين متقابلين في الجملة([9]). مثل الجمع بين الحياة والموت، الوعد والاخلاف، التعري والتسربل وهما اضداد في الاصل وذلك على وفقما جاء في قول الأخطل([10]):
صَريْعُ مُدامٍ يرفعُ الشَّربُ رأسَهُ ***** ليَحْيا وقد ماتت عظامٌ ومفصلُ
ونعرُرْ أُناساً عرّةً يَكْرهُونَها ***** ونَحْيا كِراماً أو نَموتُ فنقتلُ
ونعرُرْ أُناساً عرّةً يَكْرهُونَها ***** ونَحْيا كِراماً أو نَموتُ فنقتلُ
وقوله:-
واذا وَعدْنَك نائلاً أخلَفْنَهُ ***** ووَجدت عند عداتِهنَّ مطالا **
وقوله:-
ويجد ابو هلال العسكري انهناك عيوباً في بعض طباقات الأخطل منها قوله([12]):
قلت المقام وناعب قال النوى ***** فعصيتُ قولي والمطاع غرابُ
وعدّ هذا الكلام من غث الكلام وبارده.
ويعد علماء البديع (المبالغة) من المحسنات المعنوية وهي "انتثبت للشيء وصفاً من الاوصاف تقصد فيه الزيادة على غيره، أما على جهة الإمكان أوالتعذر، او الاستحالة"([13]).
ومن ذلك ما وجده الباحث جعفر صادق من مبالغات قليلة([14]) للأخطل منها([15]):
ترى العرمس الوجناء يضرب حاذها ***** ضئيل كفرُّوج الدجاجة معجلُ
وقوله في المديح([16]):
لا يسمع الصوت مستكاً مسامعه ***** وليس ينطق حتى ينطق الحجرُ
وقوله في هجاء بني كليب([17]):
قوم تناهت اليهم كل فاحشة ***** وكل مخزية سُبت بها مضرُ
قد اقسم المجد حقاً لا يحالفهم ***** حتى يحالف بطن الراحة الشعرُ
قد اقسم المجد حقاً لا يحالفهم ***** حتى يحالف بطن الراحة الشعرُ
ولم يكتف الأخطل بتزيين شعره بمحسنات معنوية، فعمد للمحسنات اللفظية ايضاً من ذلك استخدامه( الجناس) وهو ان يكون اللفظ واحداً والمعنى مختلفاً وبعبارة العلوي (ت748هـ)"اتفاق اللفظين في وجه من الوجوه مع اختلاف معانيها”([18]) وقسم البلاغيون القدماء الجناس على جناس تام وذلك حين تتفق اللفظتان المتجانستان في نوع الحروف وعددها وترتيبها وهيئتها، وجناس غير تام حين تختلف اللفظتان في امر واحد من الأمور التي بنت الجناس التام([19]).
ومن جناس الأخطل التام([20]):
ما زال فينا رباط الخيل معلمة ***** وفي كليب رباط الذل والعار
ومنها قول الأخطل([21]):
كأن رحال الميس حين تزعزعت ***** على قطوات من قطا عالج، حقبِ
وهو ترديد بين عام وخاص([22]).
والاعتراض هو ان يأخذ الشاعر في معنى فيعرض له غيره فيعدل اليه قبل اتمامه ثم يعود الى الاول فيتمه من غير ان يخل في الثاني([23]) بشيء فيكون فيما عدل اليه مبالغة في الاول وزيادة في حسنه ومنه قول شاعرنا:
فأني ان أفتكَ يفتك مني ***** [ فلا تسبق به علق نفيس ]
فقوله: (فلا تسبق) اعتراض لطيف مرضٍ([24]).
والتلميح هو نوع من التضمين، عدّ ضربا من البديع ايضاً الذي يعني ارسال المثل بل هو من لطائف البديع وهو ان يأتي الشاعر في بيت او بعضه بما يجري مجرى المثل السائر وقد عدّ الحاتمي([25]) قول الأخطل([26]):
واذا افتقرت الى الذخائر لم تجد ***** شيئاً يكون كصالح الاعمال
وعلق عليه بقوله: اشرد مثل قيل في الحض على ادخار العمل الصالح.
وقال([27]):
ان الضغينة تلقاها وأن قدمت ***** كالعر يمكن حيناً، ثم ينتشر
فالأخطل لا يتورع عن ايراد الحكمة التي توضح المعنى وتقربه للقارئ. وحكمته تداولتها الألسن، نخلص كل ما عرضنا له أن تلك الابيات القليلة التي وجد فيها النقاد عيباً ومنهم ابن المعتز([28]) إنّ الناس هجّنوا شعر الأخطل وقدّموا عليه ، بثلاثة أبيات لم يصب فيها، وهو شاعر زمانه وسابق ميدانه،وهي تعظيم شأن زفر في هجائه، والإساءة إلى ممدوح في مديحه، ومهما يكن فإن بعض ماعيب عليه صحيح يدلّ على قصوره في التفكير أو التعبير أو التصوير. وليس هذا مما يحط من قيمة الاخطل الفنية، لانه بالنسبة إلى شعره الرفيع الممتاز يسير لايذكر وما كان هذا القليل النزر ليطغى على ماخلده من فحولة وابداع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) العمدة، 1/313.
([2]) لم أعثر على البيت في شعره.
([3]) العمدة، 1/314.
([4]) شعر الأخطل 10/179.
([5]) ينظر: العمدة 1/315، وكفاية الطالب في نقد كلام الشاعر والكاتب، ابنالأثير، 78.
([6]) ينظر: مفتاح العلوم، 660.
([7]) ينظر: م.ن، 660.
([8]) ينظر: مفتاح العلوم، 668.
([9]) ينظر: التلخيص في علوم البلاغة 348.
([10]) شعر الأخطل 1/15، شرح ديوان الأخطل ص260.
* م.ن 1/33.
** 1/107.
*** 1/21.
([11])ينظر رسالة النقائض، ص120.
([12]) ينظر: الصناعتين، 328، لم اعثر على البيت في شعر الأخطل.
([13]) الطراز 3/116.
([14]) ينظر: رسالة النقائض، 126.
([15]) شعر الأخطل 1/23.
([16]) م.ن، 1/203.
([17]) م.ن.
* 1/209، شرح ديوان الأخطل ص178 مع اختلاف الرواية.
** شعر الأخطل 1/211، شرح ديوان الأخطل، ص179.
([18]) الطراز، 2/351.
([19]) رسالة النقائض، 35.
([20]) شعر الأخطل 2/224، شرح ديوان الأخطل، ص369.
([21]) م.ن، 1/40، شرح ديوان الأخطل، ص182.
([22]) رسالة النقائض، 36.
([23]) كفاية الطالب، 150.
([24]) حلية المحاضرة، 1/357، لم اعثر على البيت في شعره.
([25]) حلية المحاضرة 1/302 وينظر التمثيل والمحاضرة، الثعالبي، 71.
([26]) شعر الأخطل 2/258.
([27]) م.ن1/203.
([28])الموشح، 309-310.